العالم بمنطق الصفقة: ملامح الهيمنة الأمريكية الجديدة #عاجل

كتب د. معن علي المقابلة - لا تبدو الولايات المتحدة اليوم في موقع الدفاع كما يروّج البعض، بل في ذروة إعادة ترتيب العالم وفق مقاسها الخاص. فهي تُحكم قبضتها على أمريكا اللاتينية والشمالية بالترغيب حينًا وبالقوة حينًا آخر، فيما تقف أوروبا في موقع التابع القَلِق، لا همّ لها سوى ضمان بقاء واشنطن داخل حلف شمال الأطلسي، خوفًا من انكشافها الأمني والسياسي. وفي هذا الإطار، لا تتردد واشنطن في إرسال رسائل فظة تتجاوز اللغة الدبلوماسية. فاختطاف نيكولاس مادورو، ضربة قاسية ورسالة بالغة القوة لأمريكا اللاتينية والعالم: لا سيادة محصّنة، ولا أنظمة عصيّة، وكل من يخرج عن الصف يمكن انتزاعه من كرسيه بالقوة العارية. إنها رسالة مفادها أن الحديقة الخلفية ما زالت حديقة، وأن زمن التسامح قد انتهى. وفي قلب هذه المعادلة، تمثّل إيران العقدة الأهم. فإذا ما نجحت الولايات المتحدة في تحييدها، سواء عبر تغيير النظام أو احتوائه وتطويعه، فإن النتيجة ستكون مباشرة وواضحة: كل برميل نفط في العالم سيُختم بالختم الأمريكي. عندها، لن يكون هذا القرن إلا قرنًا أمريكيًا خالصًا، ولن يوقف هذا المسار سوى انفجار داخلي يضرب الولايات المتحدة نفسها. أما روسيا، فسيجري إرضاؤها بأوكرانيا، لتُمنح ما يكفي من النفوذ كي تبقى منشغلة بغنيمتها، بعيدة عن تعطيل المشروع الأمريكي الأشمل. وبالمثل، يمكن إرضاء الصين بتايوان؛ فالعهد الترامبي لا يحفل بالحلفاء كثيرًا. صاحب كتاب الصفقة لا يرى في السياسة سوى سوق مفتوح، تُدار فيه العلاقات بمنطق الصفقات لا المبادئ، وبميزان القوة لا الأخلاق. وفي المقابل، يراهن كثيرون على الصين بوصفها القوة القادرة على كسر الهيمنة الأمريكية. غير أن الواقع يشير إلى غير ذلك؛ فبكين تراقب من موقع الحياد كيف يعيد الأمريكيون هندسة النظام العالمي، وهي لا تسعى إلى مواجهة مباشرة، بل إلى تفاهمات باردة مع "بلطجي” النظام الدولي، تضمن مصالحها بأقل كلفة ممكنة. هكذا يُعاد تشكيل العالم اليوم: قوة مهيمنة تفرض الإيقاع، قوى كبرى تُشترى أو تُحيَّد، وأنظمة تُهدَّد بالاقتلاع إن خرجت عن النص. وبين كل ذلك، يبقى السؤال الحقيقي ليس إن كان هذا القرن أمريكيًا، بل إلى متى يمكن لهذه الهيمنة أن تستمر قبل أن ترتد على صانعها. .