لا يزال العلم يكشف لنا أسرار الحياة؛ بدءاً من تفاصيل صغيرة تتسع في دائرتها لتشمل أبعاداً كونية أكبر، وأعظم الحقائق الحادثة من حولنا لا نبصرها بأعيننا مع أننا جزء منها، نسير فيها داخل نظام كوني مترابط، تتحرك فيه الكواكب والنجوم في نظام فلكي متقن، فلا تتصادم ولا تطغى على بعضها، وكذلك الحياة تسير من حولنا تبعاً لهذا التوازن المدهش والتناغم المذهل، والقرآن الكريم أشار إلى هذا التوازن والنظام الدقيق في أكثر من موقع (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون).فكما هو الحال في الكون الكبير نجد نظاماً مشابهاً في العالم الصغير داخل الذرة، حيث تتحرك الإلكترونات في مداراتها بحثاً عن التوازن والاستقرار. وفي السعي نحو الاستقرار تكون المقايضة بين طرفي كيانين؛ هي صفقة وجودية، فكما يكون الأخذ مكملاً لأحد الأطراف يولد الاستقرار من العطاء، وتتجلى هذه الأفكار في إعجاز كيمياء الذرات المجهرية، فذرة «الصوديوم» النشط تمنح جزءاً من شحنتها لذرة «الكلور» السام لينتج «ملح الطعام».وكما الكسب والمشاركة يصنعان الاستقرار؛ فالفقد والمنح أحياناً يكونان سبباً لخلق نسخة أقوى من ذاتنا وأكثر استقراراً واتزاناً وطمأنينة، فتغدو الحياة أبسط وأجمل. وفي غرابة الوجود يخرج الخير والشر من أصل واحد، مع اختلاف النشأة والتوجيه. فالكون يرعى فكرة التباين في التوجهات والأفكار، فكما «الهيدروجين» سلاح نووي من صنع الإنسان، وهو الأخطر على حياة البشرية، هو نفسه العنصر الذي يتحد مع «الأكسجين» لينتج أساس الحياة (الماء)، وهنا تتجلى مسؤولية الإنسان في حسن الاختيار بين البناء والهدم، وبين الخير والشر.تلك الحقائق نعيشها ولا ندرك عمقها في عالمنا الذي لا نبصر فيه إلا حدود طيفنا المرئي، هي دعوة للتأمل وإطلاق العنان للبصيرة، فيما يمنح القلب الطمأنينة والتسليم بحكمة الله في كون وسعت رحمته كل شيء فيه.