ليس صراعًا… بل مشروع سيطرة يتنقّل من ساحة إلى أخرى كتب - زياد فرحان المجالي هناك لحظات في التاريخ لا تعود فيها الحرب مجرد اشتباك عسكري، بل تتحوّل إلى "نظام حكم” جديد للعالم… نظام يفرض شروطه على الخرائط وعلى الشعوب وعلى معنى الحياة نفسه. وما نشهده اليوم في الشرق الأوسط ليس سلسلة أزمات منفصلة كما تُروّج نشرات الأخبار، بل هو فصل واحد طويل من مشروع أكبر: إدارة المنطقة بالنار ثم إعادة كتابتها بالخرائط. ولأن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، فإنه يعيد "المنطق” نفسه. فمنذ سايكس–بيكو، والمنطقة تُدار كأنها ورقة رسم في غرف الغرب: تُقسَّم عند الحاجة، تُستنزف عند الضرورة، وتُعاد تسميتها كلما تغيّر المزاج السياسي في العواصم الكبرى. ثم جاء القرن الأميركي ليضيف إلى الخرائط سلاحًا أشد فتكًا من الجيوش: تفكيك الدولة من الداخل، وإخضاع الإقليم عبر اقتصادٍ تابع، ونخبٍ مرتبطة، وأزماتٍ لا تتوقف. ما الذي يجمع إذًا بين غزة وطهران؟ الجواب المؤلم: نموذج واحد… لكنه ينتقل من ساحة إلى أخرى. في غزة يُطبَّق بالقصف والتجويع، وفي إيران يُطبَّق بالعقوبات والاختراق ثم التهديد بضربة "قصيرة قوية”. وفي الحالتين لا تكون الحرب هدفًا بذاتها، بل أداة لشيء أخطر: تغيير معادلة القوة في الشرق الأوسط على مقاس أميركا وإسرائيل. غزة: ليست حربًا… بل "مختبر” من الخطأ القاتل أن تُقرأ غزة كمعركة منفصلة بين إسرائيل والمقاومة. غزة منذ اليوم الأول تحوّلت إلى "مختبر” استراتيجي: اختبار قدرة الاحتلال على فرض نموذج جديد للمنطقة يقوم على قاعدة واحدة: من يرفض الشروط، يُكسر بالقوة ثم يُعاد تأهيله سياسيًا وفق مقاس المنتصر. في غزة رأينا كيف تتحوّل الإبادة إلى سياسة يومية، وكيف يصبح الحصار أداة تفاوض، وكيف تُستخدم المجاعة كسلاح تحت أعين العالم. لم تكن المشكلة في حجم القصف فقط، بل في "فلسفته”: استنزاف الإنسان والمدينة والوعي، ثم تقديم ذلك على أنه دفاع عن النفس، وحين ينهك المجتمع… تبدأ مرحلة اليوم التالي: سلطة بديلة، إدارة مفروضة، أمن تابع، ومعنى جديد للمقاومة يُكتب في القواميس الغربية بوصفه "إرهابًا”. لكن المفارقة الكبرى أن إسرائيل رغم كل عنفها لم تنجح في صناعة نصر حاسم. ومع مرور الوقت بدأت تظهر الحقيقة: دولة الاحتلال قادرة على التدمير، لكنها عاجزة عن بناء مستقبل قابل للحياة. ولهذا أصبح خيارها الواقعي: إطالة الحرب حتى تتحول غزة إلى مساحة مُنهكة تستسلم سياسيًا بعدما تعجز عسكريًا عن إسقاطها. ترامب: رجل "الضربة” لا رجل الحرب الطويلة هنا تظهر الحلقة الأخطر: الولايات المتحدة، وتحديدًا في عقل ترامب، لا تحب الحروب الطويلة، لأنها لا تمنحه "صورة البطل” ولا "نتيجة عاجلة”. ترامب يريد ما يشبه صفقة عسكرية: ضربة سريعة، أثر صادم، مكسب سياسي فوري، ثم خطاب أمام الكاميرات يقول فيه: لقد فعلتها. ومن هذه الذهنية خرجت الفكرة الأميركية المتداولة اليوم بشأن إيران: "هجوم قصير… قوي… يُسقط النظام.” وهذه العبارة ليست مجرد توصيف إعلامي؛ إنها إعلان عن عقلية سياسية جديدة تعتبر أن إسقاط الأنظمة لم يعد يحتاج احتلالًا بريًا أو حربًا شاملة، بل يحتاج خلخلة داخلية تُستثمر ثم تأتي الضربة كخاتمة. ترامب لا يسعى إلى "انتصار عسكري” بقدر ما يسعى إلى تغيير المعادلة. في غزة يدير النار من بعيد عبر الدعم والغطاء، وفي إيران يريد أن يضع يده على لحظة الضعف ويحوّلها إلى سقوط. إيران: الهدف ليس النووي… بل "الدولة” العناوين الغربية تختزل إيران في كلمة: "النووي”. لكن من يقرأ العقل الاستراتيجي الأميركي–الإسرائيلي يدرك أن الملف النووي ليس إلا عنوانًا مريحًا لتبرير صراع أكبر: كسر مركز ثقل إقليمي يُربك مشروع السيطرة. إيران بالنسبة لواشنطن ليست منشآت نووية فقط، بل شبكة نفوذ تمتد عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن، ومعادلة ردع تجعل إسرائيل تفكر مرتين قبل توسيع حروبها. لهذا فإن الهدف الحقيقي ليس تفكيك مشروع نووي فقط، بل تفكيك "هيبة الدولة” وضرب قدرتها على التأثير. وهنا يعود نموذج غزة مرة أخرى: كما يريدون غزة بلا مقاومة… يريدون إيران بلا نفوذ… وبلا قدرة على تعطيل المشاريع الكبرى في الإقليم. لماذا تتأخر الضربة؟ السؤال الطبيعي: إذا كانوا يريدون إسقاط النظام الإيراني… لماذا التأخير؟ الجواب ليس رحمة، ولا عقلانية، ولا خوفًا من إيران فقط… بل خوفًا من اليوم التالي. واشنطن تعلم أن إسقاط نظام في دولة بحجم إيران قد يفتح أبوابًا جهنمية: تفكك داخلي، صراع قومي، فوضى إقليمية، اضطراب في الخليج، تسارع تدخل روسي وصيني، واهتزاز عالمي في أسواق الطاقة. لهذا تتردد: لأنها تستطيع الضرب، لكنها لا تستطيع ضمان النتيجة. وهذا هو الدرس الذي لم تتعلمه أميركا بعد: في العراق أسقطت النظام، لكنها أسقطت الدولة. وفي ليبيا فككت السلطة، لكنها صنعت فراغًا. وفي أفغانستان حاربت 20 عامًا ثم خرجت. ولهذا تحاول اليوم "هندسة” الضربة: قصيرة، محسوبة، تؤدي لانهيار داخلي دون انفلات شامل… لكن المشكلة أن الشرق الأوسط ليس مختبرًا نظيفًا، بل أرضًا تعاقبت عليها التوترات والدماء والأحقاد، وأي ضربة فيه تحمل احتمالات تتجاوز الحسابات. إسرائيل تحرق… وأميركا تُدير هنا تتضح المعادلة التي يجب أن تُقال بلا تزييف: إسرائيل تمارس وظيفة الحرق، وأميركا تمارس وظيفة الإدارة. إسرائيل تُبالغ في العنف كي تفرض صورة الردع، وأميركا تضبط الإيقاع كي لا تتحول النار إلى حرب كبرى تضر مصالحها. هذا ليس خلافًا بين الحليفين… بل توزيع أدوار. الاحتلال يتقدم في الميدان، والبيت الأبيض يتقدم في الكواليس، والنتيجة: خرائط جديدة تُكتب على دم الناس. وغزة خير مثال: إسرائيل تحرق، والولايات المتحدة تمنح الغطاء السياسي والدعم العسكري، وتفتح باب التفاوض عندما تريد، وتغلقه حين تحتاج إلى مزيد من الضغط. وإيران تُدار بالطريقة نفسها: ضغط ثم اختراق ثم تهديد، والغاية أن تتغير المعادلة دون أن تدخل أميركا في حرب تستنزفها. الخلاصة: ليست حربًا… إنها مشروع هذا ليس صراعًا تقليديًا بين دولتين. نحن أمام مشروع سيطرة يتنقل من ساحة إلى أخرى، يبدل أدواته لكنه لا يبدل هدفه: شرق أوسط ضعيف، منهك، قابل للتطويع، ومفتوح لإعادة الرسم. اليوم تُدار غزة بالنار… وغدًا قد تُدار طهران بضربة "قصيرة قوية”… وبعدها ستُطرح أسئلة أكبر: من التالي؟ وما حدود الخرائط؟ وهل بقي في المنطقة ما يمكن أن يسمى سيادة حقيقية؟ حين نفهم أن ما يجري ليس حدثًا بل "منهج”، ندرك خطورة المرحلة: إنها مرحلة تُصنع فيها المنطقة من جديد، ليس بالقانون الدولي، بل بمنطق القوة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن نقرأ الأخبار… بل يجب أن نقرأ "الخرائط” التي تقف خلفها. .