قراءة في واقعة رفض اسقبال السفير الأمريكي: بيت العزاء الذي أسقط الحصانة الدبلوماسية #عاجل

كتب مؤيد المجالي - لم يكن رفض استقبال السفير الأمريكي في بيت العزاء الخاص بعشيرة الضمور في عمّان حادثة اجتماعية عابرة، ولا تصرّفًا خارجًا عن الأعراف كما حاول البعض توصيفه. ما جرى كان فعلًا واعيًا مكتمل الأركان، يحمل دلالة سياسية صريحة، ويعبّر عن موقف مجتمعي لم يعد يقبل الفصل المصطنع بين الأخلاق والسياسة. القول بأن ما حدث "طرد للسفير” غير دقيق، والحديث عن إساءة دبلوماسية هو تضليل متعمد. نحن أمام واقعة واضحة: عائلة أردنية قررت، في مكان خاص، عدم استقبال ممثل دولة عظمى بسبب موقف سياسي وأخلاقي. لا أكثر ولا أقل. وهذا حق اجتماعي وقانوني كامل، لا يحتاج إلى تبرير ولا يخضع لبروتوكول. بيت العزاء ليس مساحة محايدة في المجتمع الأردني، بيت العزاء ليس مجرد إجراء اجتماعي روتيني، بل فضاء قيمي. هو امتداد لسمعة الفقيد ومواقفه، وانعكاس لقناعات أهله. ومن هنا، فإن رفض الاستقبال لم يكن موجهًا لشخص السفير بصفته الفردية، بل للدولة التي يمثلها ولسياساتها. الرسالة التي صدرت من بيت العزاء كانت أوضح من أي بيان سياسي: لا يمكن طلب الاحترام الاجتماعي بينما تُنتهك القيم الأخلاقية في السياسة. الدبلوماسية حين تصطدم بالمجتمع ما جرى يكشف حقيقة مهمة: الدبلوماسية التقليدية فقدت جزءًا من قدرتها على الاحتماء بالمجاملات. لم يعد الشارع يميّز بين "الموقف الرسمي” و”التمثيل الدبلوماسي” عندما يتعلق الأمر بقضايا يعتبرها أخلاقية قبل أن تكون سياسية. وهنا مكمن الإحراج الحقيقي، لا للسفير كشخص، بل للنموذج الذي يفترض أن العلاقات العامة قادرة دائمًا على تجاوز الوعي الشعبي. لا خرق قانوني… بل كسر لمسلمة من منظور القانون الدولي: - لا زيارة رسمية. - لا مكان رسمي. - لا إساءة أو اعتداء. - لا مسؤولية على الدولة الأردنية. لكن من منظور السياسة الواقعية، ما حدث كسر مسلّمة راسخة: أن السفارات تخاطب الدولة، لا المجتمع. وأن المجاملة الاجتماعية يمكن أن تُعطّل المساءلة الأخلاقية. لماذا أزعج المشهد؟ لأنه بسيط، هادئ، وغير قابل للاحتواء. لم يُمنح خصومه فرصة الاتهام بالفوضى أو التطرف. ولأنه كشف أن الرفض الصامت قد يكون أبلغ من ألف هتاف. الخلاصة ما جرى لم يكن تصعيدًا ولا إساءة، بل سحبًا صريحًا لشرعية المجاملة السياسية. لم يكن خروجًا عن العرف، بل تأكيدًا عليه: هذا بيت خاص، وهذا قرار أهله، وهذه رسالة مجتمع. حين يُغلق باب عزاء في وجه دبلوماسي، فذلك ليس لأن العزاء تسيّس، بل لأن السياسة فقدت ما يكفي من الأخلاق لتُستقبل اجتماعيًا. .