في خطوة عكست تقاطعًا متقدمًا بين الرؤية السعودية لمكافحة التطرف، والتوجهات الأمريكية الجديدة في التعامل مع التنظيمات العابرة للحدود، رحبت المملكة العربية السعودية بقرار واشنطن تصنيف عدد من فروع جماعة الإخوان المسلمين منظمات إرهابية.
هذا الترحيب لم يأت من فراغ، بل يستند إلى قراءة سعودية مبكرة لطبيعة هذا التنظيم، وخطورته الفكرية والتنظيمية، ودوره في تغذية العنف وتهديد استقرار الدول والمجتمعات.
بهذا السياق، تبرز أهمية الاستماع إلى شهادات من عايشوا التنظيم من الداخل، وخرجوا منه بعد تجربة طويلة، ليكشفوا آليات اشتغاله الخفية، وازدواجية خطابه، وصلاته البنيوية بالتنظيمات المتطرفة.
في هذا الحوار، يفتح أحد القيادات السابقة في جماعة الإخوان المسلمين ملف التجربة كاملة، من الداخل التنظيمي المغلق، وصولا إلى تداعيات التصنيف الإرهابي الأمريكي، وتأثيره على مستقبل الجماعة، ورسائل التحذير الموجهة للشباب
وقدّم قيادي سابق في جماعة الإخوان المسلمين المحامي وعضو مجلس الشيوخ المصري ثروت الخرباوي شهادة مطوّلة عن تجربته داخل التنظيم، كاشفًا ما وصفه بالبنية السرية المغلقة، وازدواجية الخطاب، وآليات الإقصاء، ومصادر التحول من العمل الدعوي المعلن إلى المشروع التنظيمي المؤدلج، وصولًا إلى علاقات الجماعة بالتنظيمات المتطرفة، وتأثير تصنيفها كمنظمة إرهابية على مستقبلها السياسي والتنظيمي.
ويؤكد المتحدث أن انضمامه إلى الجماعة لم يكن بدافع سياسي، بل جاء في سياق بحث شبابي صادق عن“الإسلام الحقيقي”ومشروع أخلاقي يعيد العدالة المفقودة، في مرحلة عمرية كانت المشاعر فيها تسبق التفكير النقدي. ويقول إن الفكرة السائدة التي دفعته للانضمام آنذاك تمثلت في قناعة راسخة بأن الإسلام مستهدف عالميًا، وأن جماعة الإخوان تتعرض لمظلومية كبرى بسبب دفاعها عن الدين، قبل أن يكتشف لاحقًا أن هذه القناعة لم تكن مشروعًا فكريًا بقدر ما كانت حالة وجدانية استثمرها التنظيم بذكاء.
إلى نص الحوار:
بعد تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية وقرار الترحيب السعودي، كيف تلقى التنظيم هذا القرار داخليا؟
تلقى تنظيم الإخوان المسلمين قرارات تصنيفه كمنظمة إرهابية في عدة دول والتطورات المتعلقة بالإدارة الأمريكية في يناير 2026 بحالة من الارتباك الهيكلي، لكنه حاول تسويقها داخليًا وخارجيًا عبر عدة استراتيجيات دفاعية ونفسية.
ويمكن تلخيص الصدى الداخلي لهذا القرار في النقاط التالية أولها خطاب المظلومية وسردية المحنة، ولذلك اعتمدت قيادات التنظيم على إحياء أدبيات ”المحنة“ التي صاغها المنظرون الأوائل «مثل سيد قطب». تم تصوير هذه القرارات للأعضاء على أنها ”ابتلاء“ وضريبة للطريق، مما ساعد في البداية على تماسك القواعد المؤمنة بالفكرة، وصرف انتباههم عن الأخطاء السياسية التي أدت إلى هذا المنزلق. وثانيها الإنكار القانوني والتحرك القضائي
فرسميًا، واجه التنظيم هذه القرارات بالتنديد، معتبرا إياها ”قرارات سياسية كيدية“ تفتقر للأدلة القانونية.
والاخوان يدرسون الآن سلك المسارات القانونية والطعن على القرار أمام المحاكم الدولية والأمريكية، بحجة أن التنظيم يمارس العمل السلمي ولا يتبنى العنف كمنهج رسمي.
وعموما تلقى التنظيم القرار كتهديد ”وجودي“ وليس مجرد ضغط سياسي. وبينما نجح في استخدام ”المظلومية“ للحفاظ على ولاء بعض القواعد، إلا أنه فشل في منع التآكل الهيكلي والمالي الذي جعل من الصعب عليه العودة كلاعب سياسي معترف به في المنطقة.
هل غيّر هذا التصنيف من سلوك الجماعة أم من أدواتها فقط؟
سؤالك يلمس جوهر الصراع داخل أي تنظيم أيديولوجي عند مواجهة ضغوط وجودية. والإجابة هي أن التصنيف أحدث تغييرًا جذريا في الأدوات، لكنه أدى إلى تخبط وتشدد في السلوك بدلا من التغيير الجوهري في الأيديولوجيا. وأهم ما يمكن أن يحدث هو تحول الأدوات: من ”المؤسساتية“ إلى ”العنقودية“ فبسبب التضييق المالي والقانوني ستضطر الجماعة إلى تغيير أدواتها بالكامل، وأخطرها هو تفتيت الهيكل عن طريق استبدال ”الأسر الإخوانية“ الكبيرة «7 أعضاء» بخلايا عنقودية صغيرة جداً «3 أعضاء» لتقليل الخسائر عند الاختراق الأمني.
وستنطلق الجماعة ناحية التمويل الرقمي، والعملة الرقمية المشفرة وشبكات تحويل أموال غير رسمية «نظام الحوالة» للالتفاف على تجميد الأصول.
ولكنها كانت قد ابتكرت سابقا منصات الإعلام البديل مع القنوات الفضائية الضخمة، ولكنها الآن ستنتقل بشكل موسع إلى ”جيوش إلكترونية“ لامركزية تدير منصات على صفحات وتطبيقات مشفرة.
أما من ناحية السلوك فستتجه إلى الانكفاء على ذاتها والاستغراق في العمل التنظيمي السري بدلا من المراجعة إذ بدلا من أن يؤدي التصنيف إلى ”مراجعات فكرية“ سيؤدي القرار الحالي إلى نتائج عكسية في السلوك مثل التشدد، والاتجاه الموسع للعنف والارهاب واستخدام الذئاب المنفردة لتنفيذ عمليات ارهابية في الغرب وأمريكا.
ولكن لن تتغير الأيديولوجيا العميقة للجماعة «فكرة الأستاذية والتمكين»، بل سيتم ”تجميدها“ مؤقتا وسيعتبرونها ”الفقه المؤجل“ وستبني الجماعة سلوكا يسمى ”الكمون الاستراتيجي“ فمن يعرف الاخوان جيدا يدرك بوضوح أن الجماعة لن تُغير جلدها، بل ستختبأ داخله. إذ أن هذا التصنيف جعلها ”أصغر حجما“ ولكنها ”أكثر راديكالية“ في بعض جيوبها، مما يطرح تحديا أمنيا جديدا يختلف عن السابق.
كيف تصف تجربتك الشخصية داخل تنظيم الإخوان؟ وما اللحظة الفاصلة التي دفعتك إلى الانشقاق؟
تجربتي داخل تنظيم الإخوان لم تكن عابرة ولا سطحية، بل كانت معايشة كاملة تدرجت فيها تنظيميا واصبحت أحد الكوادر الهامة في قسم المهنيين، وإذا أردت تلخيص التجربة اقول انني خضت تجربة طويلة داخل تنظيم الإخوان، بدأت بحثا عن الإسلام الحقيقي، وانتهت باكتشاف تنظيم يُخفي مشروع هيمنة خلف شعارات الدعوة، ويصنع في ذات الوقت فهما منحرفا للإسلام فاخترت الخروج والشهادة لا الصمت.
وكانت الفكرة التي سيطرت عليَّ قبل دخولي الجماعة واستمرت معي لفترة أن الإسلام مستهدف من كل العالم، وان الاخوان تعرضوا لمظلومية كبرى من الأنظمة لأنهم يدافعون عن الإسلام، وكانت هذه محض مشاعر لا مشروعا فكريا، فقد كنت في مقتبل الشباب وقتها، والشاب الصغير تحركه المشاعر قبل الأفكار.
المهم أنني دخلت الجماعة شابا أبحث عن نصرة الإسلام، وعن مشروع أخلاقي، وعن عدالة مفقودة، فوجدت تنظيما شديد الانضباط، نعم، قوي التأثير على أعضاءه بشكل سلطوي، لكنه مع الوقت كشف لي وجها آخر...فخلال سنوات طويلة من المعايشة والممارسة الفعلية داخل التنظيم، رأيت كيف تُرفع شعارات الوسطية والاعتدال إلى الرأي العام، في حين يقوم المنهج التعليمي والتربوي الموجه للداخل الإخواني على فكرة جاهلية المجتمع، وعلى ترسيخ قناعة بوجوب مواجهته عند الاقتضاء، ولو بالعنف، متى اعتُبر ذلك مصلحة للتنظيم.
اللحظة الفاصلة لم تكن قرارًا مفاجئًا، بل تراكمًا طويلًا من الصدمات. حيث اكتشفت أن ما يُرفع من شعارات عن الشورى، والعدل، والأخلاق، لا ينعكس في الممارسة الداخلية.
لذلك كان الخلاف:
- فكريا: حين أدركت أن“الحاكمية”تُستخدم لتبرير إقصاء المجتمع بزعم جاهليته لا إصلاحه.
- تنظيميا: حين رأيت كيف يُصادَر القرار، وكيف يتحول السمع والطاعة إلى أداة كسر للعقل.
- أخلاقيا: حين شهدت الظلم يُمارَس باسم الدعوة، والكذب يُبرَّر باسم الإسلام.
نعم، حاول التنظيم في البداية احتواء اعتراضاتي، لكن ليس بالحوار، بل بدأ بالنصيحة، ثم المحاكمة فقد شكلوا هيئة محكمة لتوقيع عقاب عليَّ ثم العزل التدريجي، فكان ان قدمت استقالتي عقب جلسة عاصفة مع نائب المرشد وقتها المستشار مامون الهضيبي في بيته بمصر الجديدة
من واقع تجربتك، كيف تُدار جماعة الإخوان من الداخل؟
الإخوان لا تُدار كما تظهر للعلن، فالقيادة العلنية ليست صاحبة القرار الحقيقي، ولكن القرار الحقيقي بيد قيادات التنظيم الخاص وبعضها مجهول حتى في الداخل الإخواني، هذا التنظيم الخاص شكل مجالس ضيقة غير مُعلنة تتحرك وتدير وفق منطق أمني لا دعوي.
المرشد في كل الأحيان كان صورة فقط يتم تقديمها للرأي العام ولعموم الإخوان، ولكنها صورة باهتة بلا رأي لدرجة أنني رأيت خيرت الشاطر يشتم عام 1990 المرشد حامد ابو النصر، ويقول له لفظا: انت تقعد هنا تشرب الينسون والنعناع وتقابل الناس وتدعو لها لكن لا علاقة لك بالإدارة، الإدارة عندنا احنا.
أما الاختلاف داخل الصف فلم يكن مسموحا على الإطلاق لدرجة انهم يعتبرونه خروجا على الإسلام، ويبررون ذلك بما حدث في غزوة احد عندما نزل الرماة من الجبل فانهزم المسلمون.
لذلك القاعدة الذهبية داخل الجماعة التي ابتكرها البعض سرا هي: وافق أو نافق أو فارق"
والقاعدة الأصلية هي: نحن صف الإسلام إذا خرج منا واحد سيقول الناس صفٌ أعوج، والإسلام لا اعوجاج فيه فلا تكن انت موضع الاعوجاج"
كثيرًا ما يُتهم التنظيم بازدواجية الخطاب، كيف تفسر ذلك؟
ازدواجية الخطاب ليست انحرافًا طارئًا، بل جزء أصيل من بنية الجماعة، وهذا هو منطق الجماعات السرية فدائما يكون لها خطابان:
- خطاب خارجي للإعلام: مرن، مطمئن، مدني. يحاول بقدر الامكان اكتساب الرأي العام، أو قل خديعته. تحت شعار انهم في حرب، ووسائل الحرب مباحة، ومنها الخدعة، فتتحول خدعة.
- وخطاب داخلي للأعضاء: تعبوي، إقصائي، يُقسّم العالم إلى“نحن”و“هم”أو الإسلام وخصوم الإسلام.
وهذا التناقض يُبرره الإخوان للصف داخل الجماعة بمفهوم: ”فقه الاستضعاف“ و“فقه المرحلة”و“فقه التمكين”و“فقه الضرورة”وأهمية استخدام وسائل المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع المسلم. وهذا أخطر ما في الأمر، لأن الكذب هنا يتحول إلى عبادة.
كيف تنظر إلى علاقة الإخوان بالتنظيمات المتطرفة؟
هناك يقين اختبأ في أدراج التاريخ، وإذا فتحنا هذه الأدراج سنعرف ان جماعة الإخوان هي المؤسس لتنظيم التكفير والهجرة وانها جندت شكري مصطفى لإنشاء هذا التنظيم، وهي من أسست تنظيم الفنية العسكرية الذي خطط للانقلاب على السادات، وهي المؤسس لتنظيمي الجهاد والجماعة الإسلامية، وهي المؤسس لتنظيم السرورية، وهي المؤسس لحركة حماس، والقاعدة تم تأسيسها بأوامر من مصطفى مشهور، ثم جماعات داعش وحسم وغيرها كلها خرجت من تحت معطف الإخوان.
لذلك تُعتبر جماعة الإخوان هي ”المفرخة“ أو ”الجسر“ الذي يعبر منه الأفراد نحو التطرف العنيف وتظل أفكار سيد قطب حول ”الحاكمية“ و”الجاهلية“ هي المرجعية التي استندت إليها تنظيمات القاعدة وداعش لتبرير تكفير المجتمعات واستخدام السلاح.
وتاريخيا، خرجت أبرز قيادات الإرهاب العالمي من عباءة الإخوان فأيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة السابق كان عضوا في جماعة الإخوان بمصر. وأسامة بن لادن كان اخوانيا وتأثر بشكل مباشر بأفكار الإخوان ومدرسيها «مثل عبد الله عزام، الذي كان كادرا إخوانيا بارزا قبل تأسيس ”مكتب الخدمات“ في أفغانستان». وأبو بكر البغدادي كان منخرطا في أنشطة إخوانية قبل تأسيس داعش.
ما تأثير التصنيف الإرهابي على التمويل وشبكات الدعم؟
التصنيف الإرهابي في 2026 حوّل الإخوان من ”تنظيم غني“ يدير ميزانيات تعادل ميزانيات دول كبرى، إلى ”تنظيم مطارد“ ماليا، مما يضعف قدرته على الحشد الجماهيري أو الحفاظ على ولاء القواعد التي كانت تستفيد من شبكاته الاجتماعية.
فقد أدى هذا التصنيف الإرهابي إلى تحول جذري في ”اقتصاد الجماعة“، حيث انتقلت من مرحلة ”التضييق“ إلى مرحلة ”التجفيف الشامل للمنابع“. هذا التأثير لم يقتصر على تجميد الأموال فحسب، بل ضرب ”الشبكة العنكبوتية“ التي تربط العمل الدعوي والخيري بالتمويل السياسي.
وأبرز آثار هذا التصنيف على التمويل وشبكات الدعم يتمثل في الشلل المالي والمصرفي إذ سيتم حظر جميع ممتلكات الجماعة أو الشركات التابعة لها التي تقع تحت الولاية القضائية الأمريكية فضلا عن الملاحقة العابرة للحدود فوفقا لهذا التصنيف ستلتزم البنوك الدولية «حتى خارج أمريكا» بقوائم الحظر تجنبا لـ ”العقوبات الثانوية“، مما يجعل أي تحويل مالي للجماعة عبر النظام المصرفي العالمي مستحيلا تقريباً وأيضا يترتب على التصنيف تجريم التبرع للجماعة وفروعها وكياناتها وشركاتها فقد أصبح تقديم أي ”دعم مادي“ «حتى لو كان زكاة أو تبرعا بسيطا» جريمة جنائية في الدول التي تتبنى التصنيف،
برأيك، لماذا فشل مشروع الإخوان في الحكم؟
برأيي، فشل مشروع الإخوان في الحكم لأنه مشروع تنظيم لا مشروع دولة. فالجماعة دخلت السلطة بعقلية ”السرية“ و”التمكين“ و”المواجهة“، لا بعقلية الحكم الرشيد. وتعاملت مع الدولة كغنيمة يجب السيطرة عليها، لا ككيان وطني يجب إدارته بالشراكة، واعتبرت المجتمع تابعا يجب إعادة تشكيله، لا مصدرا للشرعية والتنوع.
لذلك الفشل كان نتيجة حتمية لتناقض جوهري بين فكرة دينية مُغلقة، ودولة حديثة تقوم على التعدد والمواطنة والمؤسسات.
أما إذا أردت التفصيل، فقراءتي للإخوان ومعايشتي لهم جعلتني أتنبأ بأنهم لن يستمروا في الحكم اكثر من عام، قلت هذا في لقاءات صحفية وقت حكم الاخوان، أما سبب النبوءة فهي أنني رأيت أنهم حاولوا اختزال الوطن في التنظيم، فاصطدموا بحقيقة أن الدول كائنات تاريخية معقدة لا تقبل الترويض الأيديولوجي القسري، رأيتهم وقد قدموا الجماعة و”وهم التمكين“ على ”واجب التنمية“ ورأيتها وقد رهنت الولاء للمرشد على حساب الانتماء للوطن. لقد عجزت الجماعة عن الانتقال من ”عقلية المحنة“ وسرية التنظيم الخاص إلى ”رحابة الدولة“ وعلانية السياسة، فظل خطابها منشطرا بين لغة ديمقراطية موجهة للخارج وحلم ثيوقراطي يداعب القواعد في الداخل، مما أفقدها الثقة المحلية والدولية على حد سواء، لقد انتهى بهم المطاف إلى أن يكونوا ظاهرة صوتية في التاريخ، عجزت عن تقديم برنامج عملي لتدبير شؤون الخلق، فخسرت قدسية الدعوة وبريق السياسة معا، لتبقى حبيسة ”شرنقة التنظيم“ التي ترفض مراجعة أخطائها بينما يتجاوزها الزمن والواقع.
كيف تعامل التنظيم مع المنشقين عنه؟
تعامل تنظيم الإخوان مع المنشقين عنه عبر تاريخه بآليات اتسمت بالحدة والتطرف، حيث استند في جوهر تعامله إلى فلسفة ”البتر“ التي تستوجب العزل أو التحقير لضمان عدم انتقال العدوى لبقية الأفراد.
وتبدأ هذه العملية بمرحلة ”الاغتيال المعنوي“، حيث يتم إطلاق شائعات حول المنشق تتعلق بذمته المالية أو استقامته الأخلاقية، أو اتهامه بالعمالة للأجهزة الأمنية، وذلك بهدف تجريده من مصداقيته أمام القواعد التنظيمية ومنع تأثرهم بأسباب انشقاقه. ثم تتحول هذه الآلية إلى ”العزل الاجتماعي والمقاطعة الشاملة“، حيث يُؤمر الأعضاء بقطع كافة الصلات الإنسانية والاجتماعية مع المنشق، وهو ما يمثل ضغطا نفسيا هائلا خاصة على من قضوا عقودا داخل المحضن التربوي للجماعة.
وفي حالات الانشقاق الفكري التي قام بها كبار المنظرين أو القيادات الكبيرة أو الوسطية، لجأ التنظيم إلى ”سياسة التجاهل المتعمد“ وإسقاط أسماء هؤلاء من أدبيات الجماعة وتاريخها، وكأنهم لم يكونوا جزءا منها يوما، مع العمل على ”تسطيح“ أطروحاتهم النقدية وتصويرها كحالات إحباط شخصي أو بحث عن مكاسب ذاتية بعيدا عن ”طريق الدعوة“.
وفي مواجهتهم لأكثر المنشقين الكبار تأثيرا وعندما لا يؤدي العزل والتسطيح والتجاهل إلى إسكات المنشق، تبدأ مرحلة التشويه، حيث يُطعن في نواياه وأخلاقه، وتُقدم روايات مُلفقة عن دوافعه.
أما على الصعيد المالي والمهني، فقد استخدمت الجماعة شبكة مصالحها المعقدة للتضييق على المنشقين، سواء بفصلهم من المؤسسات التابعة لها أو حرمانهم من الدعم اللوجستي والقانوني الذي توفره للأعضاء المنتظمين، مما يجعل كلفة الخروج من التنظيم كلفة ”وجودية“ ومالية باهظة.
ومع تزايد حدة الانشقاقات في أعقاب الضربات الأمنية والتصنيفات الإرهابية الأخيرة، ظهر أسلوب ”التشويه الرقمي“، حيث تُسخر الجماعة منصاتها الإلكترونية لمهاجمة المنشقين ووصفهم ب ”المتساقطين على طريق الدعوة“، وهي استعارة أيديولوجية تُوحي بأن المنشق قد خان العهد الإلهي وليس مجرد موقف سياسي. وفي بعض الفترات التاريخية والمناطق المشتعلة، وصل التعامل مع المنشقين الذين حاولوا تكوين كيانات موازية إلى حدود التصادم العنيف أو التحريض المباشر ضدهم، باعتبارهم ”شقا لعصا الطاعة“ وتهديدا لوحدة الصف الذي تعتبره الجماعة مقدسا. وهذا النهج الإقصائي يعكس عجز التنظيم عن استيعاب التعددية أو القبول بالنقد الداخلي، مما حوله إلى بيئة طاردة للعقول النقدية ومنغلقة على الولاءات المطلقة، وهو ما ساهم في نهاية المطاف في تآكل النخبة الفكرية للجماعة وبروز تيار ”السمع والطاعة“ كتيار وحيد ومسيطر.
اليوم، كيف تقيّم مستقبل جماعة الإخوان؟
نحن أمام تآكل بنيوي، لا مجرد أزمة عابرة فالتنظيم يشيخ فكريا وتنظيميا، وأخلاقيا.
فجماعة الإخوان تقف عند مفترق تاريخي حاسم، لكن ليس بالمعنى الذي تحاول الجماعة تسويقه لأتباعها. فالجماعة لا تعيش مجرد مرحلة تضييق أمني أو تراجع سياسي مؤقت، بل تواجه أزمة بنيوية عميقة تمس الفكرة والتنظيم معا. فالجماعة لم تعد قادرة على مخاطبة المجتمع بوصفها شريكا، بل ما زالت تنظر إليه باعتباره ساحة صراع أو وعاء يجب إعادة تشكيله. هذا التصور جعلها معزولة عن الواقع، وغير قادرة على فهم تحولات الدولة الوطنية الحديثة ولا طبيعة المجتمعات التي تغيّرت أسرع من خطابها وأدواتها.
وعلى المستوى التنظيمي، تعاني الجماعة من شيخوخة واضحة، ليس فقط في القيادات، بل في المنهج نفسه. فآليات السمع والطاعة التي كانت تُنتج تماسكا ظاهريا تحولت إلى سبب مباشر للتفكك الداخلي، لأن الأجيال الجديدة لم تعد قابلة للانضباط الأعمى، ولا مستعدة للتضحية بحياتها ومستقبلها لصالح تنظيم لا يقدّم مراجعة صادقة ولا رؤية واضحة. والصراعات الداخلية، والانقسامات غير المعلنة، وتعدد مراكز القرار، كلها مؤشرات على تنظيم لم يعد قادرا على إدارة ذاته، فضلا عن إدارة دولة أو مجتمع.
أما على المستوى الفكري، فالمشكلة أعمق. الإخوان لم يُجروا حتى الآن مراجعة حقيقية لفكرة الحاكمية، ولا لعلاقتهم بالعنف، ولا لمنهجهم التربوي القائم على تقسيم المجتمع إلى مؤمنين بالإسلام وخصوم له. وما يُقدم منهم أحيانا باعتباره مراجعات ليس سوى إعادة صياغة لغوية للخطاب نفسه، مع تغيير في النبرة لا في الجوهر. ولهذا، فإن أي حديث عن عودة قوية أو تصحيح مسار يظل وهما ما دامت الجماعة عاجزة عن الاعتراف بأخطائها التاريخية ومسؤوليتها السياسية والأخلاقية عما جرى، هذه جماعة ميتة والميت لا مستقبل له
ما رسالتك للشباب المنضمين أو المتعاطفين مع الجماعة؟
أقول للشباب الذين ينجذبون إلى الجماعة أو يتعاطفون معها: أنا كنت واحدا منكم، دخلت هذا الطريق بنية صادقة، وبقلب يبحث عن الحق لا عن السلطة، وعن الدين لا عن التنظيم. أعرف جيدا ذلك الشعور الذي يمنحك إيّاه الانتماء، الإحساس بأنك مختار، وأنك تحمل رسالة، وأنك تقف في صف الخير في مواجهة عالم مضطرب. لكن التجربة علمتني، بعد سنوات طويلة من القرب والمعايشة، أن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس العداء للدين، بل احتكار الدين داخل تنظيم.
احذروا أن يُختزل إيمانكم في جماعة، أو تُختصر أخلاقكم في بيعة، أو يُصادر عقلكم باسم الطاعة. الدين الذي لا يحتمل السؤال يتحول إلى أداة، والفكرة التي تخاف من النقد تخفي ضعفها، والتنظيم الذي يطلب منك أن تثق به أكثر مما تثق بضميرك إنما يهيئك للتنازل عن نفسك قطعة بعد أخرى. لقد رأيت كيف يبدأ الطريق بالوعظ، ثم ينتهي بتبرير القسوة، وكيف تُرفع رايات الإصلاح بينما يُدرب الداخل على الصدام، وكيف يُطالب الشاب بأن يضحي بكل شيء، بينما لا يُسأل التنظيم عن أخطائه أبدا.
رسالتي لكم أن تحموا إنسانيتكم قبل أي مشروع، وأن تدافعوا عن حقكم في الشك والتفكير والمراجعة. لا تجعلوا أحدا وسيطا بينكم وبين الله، ولا تقبلوا أن يُعاد تعريف المجتمع كله على أنه خصم أو جاهلية. الوطن ليس عقبة في طريق الدعوة، والناس ليسوا مادة للتشكيل، والدين أوسع وأنقى من أن يُحبس داخل هياكل سرية وشعارات براقة.
إن أردتم الإصلاح، فطريقه الصدق، والحرية، واحترام التعدد، لا السمع والطاعة ولا وهم الاصطفاء. تعلمت متأخرا أن الخروج من التنظيم كان ألما، لكنه كان إنقاذا للعقل والضمير. وأتمنى ألا يضطر أحد منكم إلى دفع هذا الثمن بعد سنوات طويلة، حين يكتشف أن أكثر ما خسره لم يكن الجماعة، بل نفسه.