معراج الروح قبل معراج الجسد

في تلك الليلة العظيمة التي لم تشهد البشرية مثلها رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من آيات ربه الكبرى ما تعجز العقول عن تصوره فسكن اللسان من هول المشهد حتى أنطقه الله بالتحيات فقال التحيات المباركات والصلوات الطيبات لله تعالى سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وفي تلك الليلة المباركة فرضت الصلاة على نبينا خمسين صلاة تشريفًا للأمة قبل أن تكون تكليفًا فكان حبيبنا المصطفى يعود في كل مرة ممتلئ القلب رحمة وخشية يسأل التخفيف لأمته حياءً من الله حتى خففت إلى خمس صلوات بأجر خمسين فما أعظمها من رحمة وما أصدقها من شفاعة ورأيت يا رسول الله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من الجنة ونعيمها ووقفت على مشاهد من ملكوت السماء ولكن قلبك لم يتعلق بالمشهد ولم تغرك العطايا لأنك كنت عبدًا قبل أن تكون نبيًا ومتواضعًا قبل أن تكون مصطفى فعُدت من حيث عرج بك إلى الأرض إلى البشر إلى الرسالة الثقيلة والأمانة العظيمة وعدت لتخبر الناس بما رأيت وأنت تعلم في يقينك أن التكذيب بانتظارك وأن السخرية ستسبق التصديق لكنك لم تتراجع لأن الحق لا يقاس بعدد من يصدقونه بل بثبات من يحمله وحين وقفت تخبر أهل مكة عن رحلتك إلى بيت المقدس ازددت رفعة بتواضعك وسموًا بثباتك فجاء نصرك من الله في قلب أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال كلمته الخالدة إن كان قال فقد صدق إني أصدقه في أبعد من ذلك فكان الصديق سند النبوة وشاهد الحق حين خذله الناس ثم جاءت حجة الوداع وجاء معها ثوب الحزن ونداء الختام فقلت للأمة وصيتك التي لا تبلى أوصيكم عباد الله بتقوى الله فهي الزاد في الطريق والنجاة عند الحساب والميزان الذي لا يختل بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما خيرت بين الدنيا والآخرة إلا اخترت الآخرة وما ارتفعت إلا تواضعت وما أعطيت إلا شكرت فكنت الرحمة المهداة والنور الذي أضاء دروب التائهين فسبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير سبحان من شرف نبيه وكرم أمته بالصلاة وجعلها معراجًا للأرواح ورباطًا بين الأرض والسماء ما دامت القلوب تعرف طريق السجود .