اشتعل فضاء التواصل الاجتماعي، وانشغل بتأجيج نار التفاعل بسبب آراء وتعليقات، وردود أفعال على رأي أورده الكاتب عبدالله بن بخيت، حول رواية (بنات الرياض) التي صدرت منذ عقدين، إذ عدّ البعضُ ما قاله بن بخيت في مقالات سابقة، وورقة عمل قدمها أخيراً «نقداً مشروعاً» لا يسع كاتبة تطمح لتطوير أدواتها وتجربتها إلا التسليم به، كونه من خبير يتطلّع إلى التناغم بين عمر الكاتبة والأحداث التي وثّقتها سرديّاً، فيما ذهب آخرون إلى أن الروائية رجاء الصانع، نجحت في كسر (تابوهات)، وسجّلت بروايتها وثيقة التحولات الأولى؛ بالاحتيال على الواقع، وتمريرها رسائل تحت عباءة الكتابة الغيرية، إضافةً إلى مهارتها في اختيار العنوان الدّال، وتوظيف الجندر (بنات) واستحضار رمزية الفضاء المكاني (الرياض) ما منح الرواية الجدليّة مساحةً أرحب، بدليل ترجمتها إلى لغات أجنبية عدة، وعدّوا نقد بن بخيت إثارة جدل فات عليها الزمن، وتطاولاً على شخص الكاتبة.وترى الكاتبة ميسون أبو بكر في رجاء الصانع بطلة، سواء كتبت الرواية أو لم تكتبها، إذ كلما تحضر الرواية يحضر الجدل حولها، وذهبت إلى أنه عقب 20 عاماً، طرح الروائي عبدالله بن بخيت سؤاله المشروع في عالم الأدب والكتابة وتلقته الصانع بغضب وتهديد غير متوقع، إذ كان من الطبيعي أن تأخذ الأمر بسعة صدر، وتقبل النقد أيّاً كان، مؤكدةً أن الرواية أحدثت حراكاً وجدلاً وكان ينتظر مؤلفتها صباح كل جمعة الآلاف للتسلل على الأسوار التي ظلت عالية لزمن، مبدية إعجابها باقتباسات الجمل العذبة التي اختارتها من شعراء وأدباء.وأضافت: ماذا لو غضّت رجاء الصانع الطرف عن كل هذا الصخب حولها؟ خصوصاً أنها تعود للظهور برواية يتيمة، وليس مستغرباً أن يتبع ظهورها كل ذلك الجدل، ولكون السجال لحكاية كاتبات طالهن التشكيك بأن هناك من كتب لهن، واستعادت جملة أحلام مستغانمي «يكفي أن تكتب امرأة واحدة لتتجه كل أصابع الاتهام إليها».فيما أوضح الناقد رجاء بن ساير المطيري، أنه إنْ لم يتوفر دليل واضح، واعتراف من أي طرف له علاقة بالرواية؛ تغدو فكرة التشكيك بلا معنى، خصوصاً أنها العمل الأول، ولا توجد أعمال أخرى للكاتبة كي نستنبط منها أسلوب الكاتبة، ومن ثم نحاكمها، وعدّ الرواية بسيطة، ولا تحتمل كل الجدل المثار حولها.وعدّ الناقد الدكتور مبارك الخالدي رجاء الصانع «محظوظة، وحظها يفلق الحجر» كما وصف. وقال: يفترض أن «المؤلف/المؤلفة» ميت، وعلاقته بالنص منقطعة منذ لحظة صدوره، وهذا في صالح القارئ الذي يحرره الموت من سلطة «المؤلف/المؤلفة».فيما أرجع المستشار الثقافي الدكتور عبدالله الكعيد، اللغط الذي يدور اليوم حول رواية «بنات الرياض» للكاتبة رجاء الصانع، إلى خطوط الأحداث المتوازية عصوراً وأزماناً مختلفة، مؤكداً أنه يمكن أن يُلغي الكاتب بكل تقصّد في بعض الروايات عنصر التاريخ، فلا يشعر القارئ وهو يقرأ النص عن أي زمن يتحدث الروائي، ويُترك للقارئ حرية تركيب الزمان كما يريد ويتخيّل، موضحاً أن السارد يهتم في الغالب بتكثيف التصاعد الدرامي للأحداث، وربما يخلط الماضي بالحاضر ويتنبأ بالمستقبل، وبهذا يتلاشى الزمن. ولفت إلى أن الذين لا يُدركون اتساع آفاق السارد الخيالية ربما يتساءلون: كيف له أن يكتب عن أحداث وقعت قبل مئات وربما آلاف السنين وهو يعيش معنا وفي عصرنا؟ ويجيب: ذلك هو عنصر الخيال الرحب؛ إحدى أدوات السارد الرئيسية.ويرى أنه لا يُفترض بالسارد (الكاتب) أن تقتصر كتابته على عصر عايشه باعتباره شاهداً على العصر، بل يُفترض به أن يُطلق العنان لخياله، فيكتب عن أحداثٍ لم يعايشها وصولاً إلى جدّه السابع عشر. المحامية رباب المعبي: الحدّ الفاصل بين النقد والتشهير.. «النصّ»أكدت المحامية الدكتورة رباب المعبي، أنه لمناقشة أي واقعة تمس حقوق الملكية الفكرية، فلا بد ابتداءً من ضبط المفاهيم والمصطلحات، وتحديد الإطار النظامي، الذي يحكمها، وصولاً إلى التكييف القانوني السليم، موضحة أن حقوق الملكية الفكرية تعني مجموعة الحقوق التي تحمي الفكر والإبداع الإنساني وتشمل حق المؤلف، والحقوق المجاورة، وبراءات الاختراع والعلامات التجارية، والنماذج الصناعية، والأصناف النباتية، والتصميمات التخطيطية للدارات المتكاملة.وأشارت إلى أن المؤلف يتمتع بنوعين من الحقوق على مصنّفه؛ حقوق أدبية (معنوية) أبدية ولصيقة بشخصية المؤلف؛ منها حقّ المصنّف إليه (حق الأبوّة)، وحق تقرير نشره، وحق تعديله، وحق سحبه من التداول، وحق الاعتراض على أي اعتداء عليه، ومنها حقوق مالية مؤقتة يحدد النظام مدتها، تتيح للمؤلِف استغلال مصنّفه مالياً بجميع الصور، كالطباعة، والنشر، والترجمة، والترخيص للغير.وعدّت الحقوق الأدبية مهمة كونها تحمي شخصية المؤلِف وسمعته الفكرية، ولا تقبل التنازل أو السقوط بالتقادم، باعتبارها امتداداً لشخصيته الإبداعية.وأكدت أن حق الأبوّة (نسبة المصنّف إلى مؤلفه الحقيقي دون سواه) من أهم فروع الحق الأدبي، وتراه حقاً أبدياً لا يزول بمرور الزمن، ولا يجوز لغير المؤلف الادعاء به أو الاستيلاء عليه، لما يمثله من رابطة أخلاقية وقانونية بين المبدع وإنتاجه.وذهبت إلى أن النقد الأدبي ينصب على النصّ ذاته لا على شخص المؤلِف، ويبدأ بالفهم والتحليل، ثم التفسير، وينتهي بالتقييم الموضوعي، دون تجريح أو إساءة، بعيداً عن النيل من السمعة أو التشكيك في النوايا.ولفتت إلى أن نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، نصّ على تجريم التشهير بالآخرين، أو إلحاق الضرر بهم، عبر وسائل التقنية المختلفة، ولو كان ذلك تحت غطاء الرأي أو التعليق، مضيفةً أن الفيصل بين النقد المشروع والتشهير يتمثّل في توجيه الحديث إلى النصّ، لا إلى شخص المؤلف، مع الالتزام بالموضوعية، واللغة المهنية، وعدم المساس بالسمعة، أو الكرامة، أو النوايا.وذهبت إلى أنه في حال توفر الأدلة القاطعة يمكن للناقد رفع شكوى للجنة، كما يحق للكاتبة المتضررة التقدم بشكوى للجنة لإنقاذ حقوقها الفكرية، فيما يظل الحق قائماً في رفع دعوى تشهير وإساءة السمعة مستقلاً، متى ما توافرت أركانها.وقالت: كفل النظام السعودي حرية التعبير في إطار الشريعة والأنظمة، وفي الوقت ذاته يولي حماية السمعة والكرامة الشخصية أهمية قصوى، التزاماً بمبدأ براءة المتهم حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، كون حرية التعبير ليست رخصة للإساءة، كما أن النقد ليس مبرراً للتشهير، وكل ذلك محكوم بضوابط تحقق التوازن بين حرية الرأي وصون الحقوق. القيسي: القصيبي لم يَجنِ على الكاتبة.. ولن تطاله الشكوكنفى الناقد الدكتور أحمد القيسي، أن يكون الراحل غازي القصيبي جنى على كاتبة (بنات الرياض) بتقديمه العمل والثناء عليه، وأوضح أن (بنات الرياض) كان عملاً جديداً ورياديّاً في ذلك الوقت، من حيث بنيته القائمة على «التفاعلية»، ومن حيث فكرته التي صادمت الواقع المنغلق على أسراره آنذاك، وإنْ لم يكن عملاً «فضائحياً» كما يشاع، فالأحداث طبيعية، ونقاط الصدام فيها لم تتجاوز العتبات الأولى، لافتاً إلى أنه لا يمكن أن نغفل جانباً إبداعيّاً في هذه الرواية، تمثل في نقلها من المحضن الرقمي (المجموعة البريدية) في ظل تعلّق الجمهور بالمحضن الورقي، وعدّها مهمة ليست باليسيرة على المبدع، خصوصاً في ما يتعلق بالحفاظ على حبكة النص.ويرى أن حق العمل، أن يُقدم للجمهور تقديماً يليق به، لا كما تُعامل مئات الروايات التي تصدر سنوياً ولا تُعرَف، مثمّناً ما فعله مشكوراً الأديب الراحل غازي القصيبي بتسليط الضوء عليها، ولم يكن في حسبانه أن ثمّة مَن سيشكك في موقفه النبيل الداعم لمبدعة في أول الدرب.وأضاف القيسي: أنا مع فكرة تقديم كبار النقاد والأدباء للأعمال الأدبية والنقدية الجادة التي تعد إضافة للمكتبة العربية، كونه تشجيعاً على الإبداع، ومن مهمات الناقد الحقيقي في إبراز العمل الذي يستحق.وعدّ الوزير السفير غازي القصيبي نبيلاً، لا يمكن إدانته ببعض الشكوك أو النيل منه، إذ أدى دوره الحقيقي مع هذه الرواية، وهو غني عن القيام بأي عمل ينافي أخلاقيات الكتابة الأدبية.