فيصل أكرم: أتعمّد الغياب.. ولو ألغت الجامعات دراسة الشعر ما اعتنى ناقدٌ بقصيدة!

فيصل أكرم شاعر العناية بنصه، والانفراد بشخصه، والاختيار الدقيق لأصدقائه، والتماهي مع اللغة حدّ تعذّر التفريق بينه وبين قصيدته، يكتب لا لمجرد الكتابة، بل ليطبع بصمةً في جدار الجمال الممتدّ، ويبتهج بروح طفولية.. آن السؤال عنه مساءً، لتأتي إجاباته «المشعرنة» من شقوق الصباح، شموساً ودفئاً ونهراً يجف على شاطئه هديل الكلام، وهنا بعض ما اتسعت له المساحة، مما أذن به وقت شاعر ضنين بوقته إلا على من يُحبّ..• هل تتعمد الغياب؟ أم تشكو من التغييب؟•• الصدق أقول إن شاء الله: منذ بداياتي مطلع التسعينيات وحتى هذه الأيام التي أتعايش بكل الرضى معها الآن.. كنت وما أزال أتعمد الغياب وأشكو من التحضير لا التغييب! كيف؟ أقول لك: عدد غير قليل من المهرجانات والمؤتمرات والأمسيات التي أتتني دعوات من القائمين عليها للمشاركة فيها فاعتذرت.. ثم فوجئت بأخبار عن تلك الفعاليات وتحضير اسمي قسراً ضمن الشعراء الذين حضروا وشاركوا بقراءة قصائدهم، ويعلم الله أنني كنت في بلاد وهم في بلاد!هذا عن الغياب الجسدي المتعمد مني لأسباب مزاجية تجعلني لا أوافق على الحضور إلا إذا كان الداعي صديقاً عزيزاً مثلاً أو الفعالية في مدينة أحب زيارتها.. أما غياب اسمي أو أعمالي عن بعض القواميس أو المعاجم -إن حدث- فلكثرة ما صرحت في عدد من مقالاتي رفضي القاطع لكل رصد لا يتحرى الدقة في النقل، فالغياب الناصع أحب إليّ وأكرم لي من الحضور أو التحضير المشوه أو المزيف.. لكن برأيي؛ كل حضور أو غياب خارج فعل الكتابة نفسه هو مجرد هوامش لا تزيد المتن ولا تنقصه عند العارفين به، فكتابتي كانت كأنفاسي تماماً، لا شيء يوقفها إلا الموت، ولم أكن ممن يكتبون ويضعون على الرف بل أرسل للنشر فوراً، فكما لا أحتمل احتباس النفس في صدري ما كنت أحتمل إبقاء مادة كتبتها دون نشر، حتى حل بالعالم وباء كورونا وما فرضه من احتباس كل شيء.. السفر والخروج والتلاقي والوداع، فكانت العزلة وكان قرار الغياب لازماً من أجل الحفاظ على نعمة التنفس.. تنفس الهواء، فلقد عرفت حينها أن بالهواء وحده يحيا الإنسان، خصوصاً أن كل طاقتي الفكرية قد أُنهكت، وكل ما آمنت بضرورة أن أكتبه كنت قد أتممت كتابته بالفعل، فعن أي تغييب أو غياب نتحدث ما دمنا - بلطف من الله- لم نزل قادرين على التنفس!• أين أنت اليوم؟•• بعدما كنت أقيم أياماً في الرياض وأخرى في بيروت لمدة تزيد على ربع قرن، استقر بي المقام في مصر منذ عقد من الزمان. أما عن قصائدي ومقالاتي فهي موجودة ربما عند من اعتنى بها، وربما نفدت من أرفف المكتبات التجارية، غير أن لا جديد عندي اليوم على مستوى الحياة التي ارتضيتها سوى إجاباتي العفوية المكاشفة عن هذه الأسئلة الطارئة اللطيفة.• ألا ترى أنك قدّمت للشعر والكتابة كثيراً من التنازلات؟ منها الوظيفة.•• كُتب عليّ اليُتم صغيراً، والوظيفة الحكومية كانت الحلم الذي تسلقت من أجله جبالاً من المعوقات، ليس لتكون الملاذ، بل لأقف على قدمي من بعد تشتت واضطراب، وهكذا كان.. جلست على مكتب في إحدى الوزارات موظفاً وكل همي وقتها أن أستغل هذا المكتب في صياغة قصائدي.. وساعدني في ذلك أن كانت وظيفتي «أمين مستودع» - يعجبني الاسم كثيراً!- ما أتاح لي عدداً طويلاً من الساعات كل يوم بلا مهمات وظيفية، فعمدت إلى استغلال كل دقيقة في الكتابة، كل نهار من بعد كل ليل طويل أقضيه في منزلي أقرأ في كتب العصور المتراكمة حد الإغماء.. ربما تستغرب وتتساءل: أما كان بإمكانك أن تكتب على الأرض أو السرير في بيتك؟ أجيبك: لا، فكنت أؤمن بالطبيعة، فأنت حين تنوي زراعة شجرة ستقف وتنحني وتحفر لتغرس أو تنثر بذورك أولاً، ثم إذا نجحت زراعتك فبإمكانك أن تستلقي على الأرض تتلقى الثمار المتساقط عليك.. بهذا المنطق كانت فكرة أن أحصل على وظيفة في عام ١٩٨٧ وبعد أن كتبت أثناءها قصائدي وأرسلتها للنشر في الصحف والمجلات بكافة البلدان الناطقة بالعربية ووجدتها تزدهر وتنال مكانة الاعتراف والثقة التي نجم عنها صدور ديواني الأول «الخروج من المرآة» عام ١٩٩٧ قدمت استقالتي لأتفرغ تماماً للكتابة غير مكترث بما تؤول إليه أمور حياتي بعدها، مكتفياً بكوني وقفت. أما التنازلات الأخرى فهي أقدار.. قدري أن يفشل كل زواج لي، وقدري أن يموت كل مولود لي، وقدري أن أعيش بشكل دائم خارج وطني مهاجراً عن مسقط رأسي ومقابر أهلي، لأبقى في وحدة قدرية منسجمة مع مزاجيتي وقدراتي.• ما انطباعك وأنت تعيد قراءة سيرتك؟•• مزيج من الحزن والاعتزاز.. حزن شديد، واعتزاز شديد جداً حد الفرح.• كيف حافظت على صوتك الخاص، بعيداً عن التأثير والتأثر؟•• خصوصية تجربتي أساساً هي من حافظت على صوتي وكياني كاملاً.. فلا يقتبس نار أي شموع من كانت حياته غابة مشتعلة بالنيران.• في مجموعتك الأحدث «عن الخمسين التي لم يعشها نوح» فتحت حوارية مع الموت مع أنك تكتب للحياة.. كيف نقارب هذه المفارقة؟•• والله لم أفتح سوى صفحتي على «فيسبوك» وجمعت منها ما كتبته فيها منذ بدأت التوقف عن النشر في الصحف، إذ مررت بفترة -إبان توقفي بقرار مفاجئ مني واعتياد مزمن على ممارسة الكتابة- أنني كنت أكتب كل يوم فقرة من مقالة أو قصيدة على جهاز الكمبيوتر ثم حين أنتهي منها اضغط على زر «عدم الحفظ» ولكن ثمّة ما لم أستطع عدم حفظه لارتباطه بحالات لا يمكن تجاوزها، كموت صديق أو مغادرة مكان بلا أمل في عودة.. فكنت أكتفي بوضعها على الصفحة الافتراضية إلى أن كانت لحظة الحقيقة الوجودية الصادمة بوفاة صديقي الأكبر والأعز إلى قلبي (الشاعر إلياس لحود) واكتشفت أنه أول وآخر كل أصدقائي الذين رحلوا جميعاً وكنت كتبت عنهم في الصفحة نفسها خلال سنوات التوقف نفسها، فخطر ببالي أنه لا بد من جمع كل ذلك توثيقاً وتكريماً وترحماً وحسرة. وفي المحصلة هو مجرد رابط إلكتروني، لا ناشر ولا ورق ولا أحبار ولا فسوحات توزيع ولا مكتبات، فلم أعد مستعداً لمثل تلك المجهودات.• لماذا قررت أن يكون كتاباً إلكترونياً؟•• من أجل ما اختتمت به إجابتي عن السؤال السابق!• ماذا عن قلق الرحيل ومحاولة تجاوزه بوفرة الإنجاز، فمنجزك كبير مقارنة بالعمر والتجربة؟•• نعم صحيح، كنت أظن أنني سأموت بعد قليل ويجب أن أترك الكثير مما أحمله من تجارب عشتها في حياتي، وإنْ كانت قصيرة زمنياً فهي متخمة وجودياً، ولكن.. قدر الله أن العمر لم ينتهِ بي في الثلاثين ولا الأربعين فأوقفت الكتابة المنتظمة الملتزمة المكثفة عند الخمسين، أي منذ سبع سنين.• هل تجاوز فيصل أكرم قضية الشكل، ولم يعد يعنيه سوى الكتابة النوعية؟•• نعم عن ثقة، منذ ديواني الثاني (التداخلات - ١٩٩٩) الذي جاء عقب الأول الحقيقي (الخروج من المرآة - ١٩٩٧) وأنا أمتطي هذا التجاوز متمسكاً بعنان هذا الاعتناء.• من هو الشاعر الذي يسكنك برغمك، ولم تنجح في التخلص منه؟•• يسكنني الشنفرى، مع أني لم ولن أحاول التخلص منه.. فلاميته دليلي حين تتوه الدروب عن خطوتي، ويشتد البرد، أو تنفث الأرض حممها.• ماذا أضاف لك تناول تجربتك من رموز بقامات عبدالعزيز المقالح، غازي القصيبي، محيي الدين اللاذقاني، محمد علي شمس الدين؟•• يوم مولدي، في مكة المكرمة، تحرك والدي (رحمة الله عليه) لاستخراج «شهادة ميلاد» لي، أما بعد وفاتي فلا أعلم إن كان ثمة من سيتحرك لاستصدار «شهادة وفاتي».. فكثير على حراكي كله أن أحصل في حياتي على شهادات أدبية من قامات رفيعة كغازي والمقالح (رحمة الله عليهما) وغيرهما كثير بفضل من الله وقد «شربنا من الكون حتى العدم»؟ طبعاً لم تضف لي تلك الشهادات وحسب، بل أضافتني بكل تجربتي ومنجزاتي، إلى صفحات مستقرة في ذاكرة الشعر والثقافة والكتابة والأدب.• إطراء الشعراء نافع أم ضار؟•• الصادق نافع والمنافق ضار.• لماذا أنت نادر الحضور في أمسيات شعريّة؟•• أستحي أن أعرّي نفسي وسط غرباء، وأفضل الأمسيات شديدة الخصوصية بين أصدقاء.. فالشعر بمعنى الشعر عظيم عند قراءته بتمعن، ولكنه يعرّي الشاعر حين يلقيه منشداً.. هكذا أشعر.• بماذا تصف علاقتك بالمؤسسات الأدبية؟•• غير متناسقة، فهي تكتلات وأنا فرد غير قابل للتكتل.• هل وصلنا مرحلة الفرد المؤسسة؟•• مذ عرفت الدنيا أراني فرداً وأرى مؤسسات، وتطوي المراحل نفسها بمن يميزها. أما «الفرد المؤسسة» فصفة لمن يستحقها ويتحمل أعباءها وتبعاتها في كل مرحلة.• ماذا تقول للنقاد الذين لم يعد لديهم حماس للنقد الأدبي؟•• أحسنتم! وشكر الله سعيكم.والله ليس استخفافاً بأعمالهم، فأنا أعتز جداً بدراساتهم وبحوثهم المعمقة حول تجربتي الشعرية الأدبية، ولكن.. قلت «دراسات وبحوث» بمعنى «أكاديمية/نقدية» مكانها الطبيعي الجامعات والكليات التعليمية، وحدث بالفعل في بعض الدول -مصر مثالاً- أن ألغت دراسة مادتَي الفلسفة وعلم النفس من مناهجها التعليمية، فماذا لو تم في دولة ما إلغاء دراسة الشعر في جامعاتها؟ لن تجد ناقداً يتعب نفسه في دراسة قصيدة!هذا غير أنني بتكويني الشخصي لم أتعلم الشعر في جامعة كي أهتم بما يقدمه أساتذتها من أعمال حول شعري، ورأيي هذا معلوم لديهم ولن يشكل صدمة، وربما أعجب بعضهم!أما الشعراء فهم صناع اللغة والشعر والأدب، وكل قدمائهم أساتذتي، والمعاصرون عزوتي، لهذا أميل إلى كتابة الشعراء عن الشعراء، أؤمن بها وأحبها كحبي لأشعارهم، وقد قلت لهم مطلع عام ٢٠٠٠ في «قصيدة الأفراد»:فهي القصيدة، قد بدأناها معاًوأنا لها،وعلى قتيلتها نشأت لثأرهاوإلى قبيلتها انتميت!• ألا تخشى على الشِّعر من وفرة الشعراء؟•• وهل عاقل يخشى على السماء من كثرة النجوم! نعم أخشى، في كل لحظات جنوني فقط.• هل تشعر بندم ما ولو عابر أو طارئ؟•• أحاول ألا أفعل، فالندم عملاق قاسٍ متى تملّكني قتلني.• ماذا بعدُ؟ وماذا الآن؟•• لا شيء بعد الانتظار سوى انتظارلا شيء من خلف الستار سوى الجدار.إلياس.. إلياس لحود.• ماذا قلتَ عن رحيل آخر الأصدقاء؟•• إذن مات إلياس؟خلا عالمي من صديقٍ حميمٍ حبيب!إذن مات إلياس؟وسوف أؤكد هذا النحيب..سأبكي،نعم سوف أبكي، فإني مريضٌشفائيبكائيعلى ضيقِ دنيا بكونٍ رحيب.وكنت أظن بأنك تبقىبقاءَ البحارِبقاءَ الجبالبقاءَ الإجابةِ فوقَ السؤالولكن فكراً كفكركَشِعراً كشعركَفي جسدٍ مُتعَبٍكان لا بد يرحلكمثل الخيالبقاءُ الخيال طريحاً محالأماكنه في البعيد هناككمثل الشموسويُبقي لنا منه بعضَ الظلالوداعاً صديقيوداع الوقوف، وداع الجلوسوداعاً صديقيوداع الرجال.