المخرج كيم بيونغ وو: الطوفان والإنسان المؤجَّل

في الواقع، لا يستطيع الكاتب أو المهتم بالنقد السينمائي، مهما بلغت مثابرته، أن يلاحق على نحوٍ كامل ما تبتكره السينما يوميًا من أساليب وتكنيكات جديدة في الشكل والمضمون، ولا أن يواكب على الدوام بروز مخرجين يطرحون أفكارًا غير مألوفة، وأحيانًا مجنونة، كتجربة المخرج الكوري الجنوبي كيم بيونغ وو في فيلمه المثير للجدل "الطوفان العظيم"، المعروض حاليًا على شبكة نتفليكس. هو فيلم فانتازي مشبع بالعمق، قد لا يحسن البعض استقباله منذ الوهلة الأولى، لما يبدو على سطحه من اختزال يوحي بالبساطة، أو من غموض يلف تتابع سرده، غير أن ذلك الغموض ليس سوى جزء من بنية سيناريو غير تقليدي، يتطلب قدرًا من الصبر والتأمل. يتناول الفيلم تصورًا قاتمًا لنهاية البشرية، حين يضرب الطوفان كوكبنا الأرضي، ويعلو منسوب المياه ليغمر المباني السكنية، تاركًا البشر معلقين في فضاء من اليأس، بلا عالم ولا أفق. وفي قلب هذا الخراب، تكافح الأم "آنا"، الخبيرة في شؤون المناخ، لإنقاذ طفلها من الغرق، فتصعد من طابق إلى آخر، وفي كل صعود تواجه اختبارات قاسية ومواقف مهيبة، تعكس بوضوح المصير التعس والمنتظر، ذلك المصير الذي يبدو حتميًا ولا فكاك منه. يظهر لاحقًا شخص يتكفل بإنقاذ الأم وطفلها، لكن مع تقدم الأحداث يتكشف أن الرجل لم يأتِ لإنقاذ الأم بقدر ما جاء من أجل الطفل، الذي يتبين أنه ليس إنسانًا، بل نموذج متقدم للذكاء الصناعي. فالجهة المرسِلة تسعى إلى الحفاظ على البيانات قبل تلفها، تمهيدًا للتخلص من النموذج ذاته. غير أن المعادلة تتبدل عند الأم، التي عاش معها هذا الكائن لسنوات، وتعاملت معه بوصفه طفلًا حقيقيًا، وحاولت إنقاذه مرارًا، ولكن دون جدوى. وهنا يبلغ الفيلم ذروة رهافته السردية، إذ يمهد بذكاء لفكرة أن المشروع الحكومي، أو المركزي، لا يهدف فقط إلى ابتكار آلة، بل إلى تصميم إنسان آلي كامل المشاعر، قادر على التكاثر، بما يسمح لنا باستنباط أنماط وجود خاصة لهذا الكائن الجديد. وفي المقابل، يرصد الفيلم اندفاع البشر الطبيعيين نحو الانحدار، إلى مستوى يصبح فيه الاستمتاع برؤية مستقبل مشوه وقبيح ومنحط أمرًا مألوفًا؛ سعيٌ محموم نحو زمن عجيب، أو ربما مجرد حلم لن يُكتب له التحقق. قد يُدرج الفيلم ظاهريًا ضمن خانة أفلام الكوارث، لكنه يتجاوز هذا التصنيف الضيق، جامعًا بين رؤية أكثر عمقًا وتداخلٍ لافت للهواجس العلمية، التي تنذر بتحول خطير في مسار البشرية، وتفتح بابًا واسعًا للتأمل في مآلات هذا التطور. على المستوى الإخراجي، اعتمد كيم بيونغ وو على بناء اللقطة/المشهد، مع تنويع داخلي عبر لقطات متباينة الأحجام وزوايا الكاميرا، واهتمام دقيق بأحجام اللقطات التي تبرز المعنى المقصود وتفرض على المشاهد متابعة يقظة. هذا الاختيار يمنح السرد طابعًا ذهنيًا عامًا، يتشكل تدريجيًا عبر المشاهد المختلفة، ويؤكد أن المخرج يختار موضوعاته بعناية، وينفذها بإتقان وتمكين. إنه فيلم لا تتمحور قصته حول الصراع مع الطبيعة بقدر ما تنشغل بجوهر الإنسان ذاته، في إطار إنساني شامل، لا ينجزه إلا قلة نادرة من المخرجين، لا يكاد عددهم يجاوز أصابع اليد الواحدة.