السردية الأردنية: حين تتحول الهوية إلى قوة دولة #عاجل

كتب أ. د. محمد تركي بني سلامة ليست الهوية الوطنية شعاراً يُرفع في المناسبات، ولا خطاباً عاطفياً يُستدعى عند الأزمات، بل هي سردية جامعة تُبنى عبر الزمن، وتتجدد بالوعي، وتُختبر في الممارسة. وفي الحالة الأردنية، تشكّلت السردية الوطنية بوصفها مشروع دولة قبل أن تكون مجرد إحساس بالانتماء؛ مشروعٌ قام على الاستقرار، والاعتدال، والشرعية الدستورية، والقدرة على إدارة التنوع في محيط إقليمي مضطرب. السردية الأردنية ليست سردية مغلقة أو إقصائية، بل سردية توفيقية جمعت بين الدولة الحديثة والجذور التاريخية، وبين المواطنة الجامعة والانتماءات الاجتماعية، وبين الهوية الوطنية والدور القومي. هذه السردية لم تُبنَ دفعة واحدة، بل تبلورت عبر محطات مفصلية، صاغتها التجربة السياسية، ورسّختها المؤسسات، وحملها المجتمع في وعيه الجمعي. في جوهرها، تقوم السردية الأردنية على فكرة بسيطة وعميقة في آن: الدولة أولاً، والمواطنة أساس الانتماء. فالأردنية لم تُختزل يوماً في الأصل أو النسب، بل في العقد السياسي الذي يجمع المواطنين حول الدستور، وسيادة القانون، والولاء للدولة، والانخراط في مشروعها. ولهذا استطاع الأردن، رغم محدودية الموارد وكثرة التحديات، أن يحافظ على تماسكه الداخلي، وأن يتجنب الانزلاق إلى صراعات هووية مدمرة عرفتها دول كثيرة في الإقليم. غير أن السرديات، مهما كانت راسخة، ليست محصّنة تلقائياً. فهي تحتاج إلى تجديد دائم، وإلى خطاب عقلاني قادر على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغتها وأسئلتها. فالشباب اليوم لا يكتفون بسماع سردية جاهزة، بل يريدون فهم موقعهم فيها، ودورهم في تطويرها، وما الذي تقدمه لهم الدولة مقابل التزامهم بها. هنا يصبح الخطر ليس في ضعف الهوية، بل في الفراغ السردي الذي قد تملؤه روايات ضيقة أو عابرة للحدود. السردية الأردنية في بعدها المعاصر مطالبة بأن تُبرز بوضوح أن الهوية الوطنية لا تتناقض مع التعدد، وأن الاعتزاز بالأردن لا يتعارض مع الانفتاح، وأن الاستقرار ليس نقيض الإصلاح، بل شرطه. فالدولة القوية ليست تلك التي تفرض هوية واحدة جامدة، بل التي تُنتج هوية مدنية جامعة تسمح بالتنوع داخل إطار وطني واضح. كما أن السردية الأردنية مطالبة اليوم بأن تعيد الاعتبار لقيمة العدالة والفرص المتكافئة بوصفها جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية. فالمواطنة لا تُختبر فقط في المواقف الكبرى، بل في تفاصيل الحياة اليومية: في التعليم، والعمل، والخدمات، والتمثيل، والإحساس بالإنصاف. وكلما اقتربت الدولة من مواطنيها في هذه التفاصيل، ازدادت السردية قوة ومصداقية. وفي زمن الاستقطاب الإقليمي والدولي، تبرز أهمية السردية الأردنية باعتبارها سردية توازن: توازن بين الثوابت الوطنية والدور الإقليمي، بين المصالح والالتزامات، وبين الواقعية السياسية والموقف الأخلاقي. وهي سردية أثبتت، عبر عقود، أنها قادرة على حماية الدولة دون أن تعزلها، وعلى الانحياز لقضايا الأمة دون أن تُقحم البلاد في مغامرات غير محسوبة. ختاماً، إن السردية الأردنية ليست إرثاً نحتفي به فقط، بل مسؤولية جماعية نعيد صياغتها وننقلها بوعي إلى الأجيال القادمة. فهي القاسم المشترك الذي يمنح الدولة معناها، والمجتمع تماسكه، والمستقبل فرصته. وحين ندرك أن الهوية ليست ما نرثه فقط، بل ما نصنعه كل يوم، نكون قد فهمنا جوهر الحكاية الأردنية. .