تواجه الدول الخارجة من الاستبداد سؤالاً حاسماً: كيف تُقيم عدالةً انتقالية تُحاسب المسؤولين عن الجرائم، دون أن تنزلق إلى عقابٍ جماعي يطال الموظف والمثقف والفنان لمجرّد انتماءٍ وظيفي أو حزبي؟ في العراق بعد 2003، وفي ليبيا وتونس واليمن، وحتى في سوريا مؤخراً، تحوّل هذا السؤال إلى اختبارٍ عملي لحدود القانون وكفاءة الدولة ومناعة المجتمع، فالأمم لا تصنع بشعاراتها، بل من مؤسساتها الحيّة: مدارسها وجامعاتها ومراكز أبحاثها ومسارحها وصحافتها، غير أنّ مجتمعاتنا كثيراً ما تعاملت مع الثقافة بوصفها ملحقاً سياسياً يمكن قصّه وإلصاقه وفق تبدّل الحكّام، لا بوصفها رصيداً وطنياً ينبغي حمايته من تقلبات السلطة، ومن هنا تتكرر المعضلة: حين يسقط نظام، هل نسقط معه الناس جميعاً؟ في التاريخ، كان المدح السياسي جزءاً من تقاليد البلاط: شعراء وكتّاب اقتربوا من السلطان طلباً للحماية أو المكافأة أو الشهرة، ومع أنّ كثيراً من أولئك السلاطين كانوا مستبدين، لم تُحاكم الذاكرة العربية الشعر كله باعتباره جريمة، ولم تُلغِ المكتبات لأن قصيدة قالت ما لا نحب، كأن الحسّ الجمعي أدرك أن الإبداع يعيش أحياناً في منطقة رمادية بين الخوف والحرفة، وبين النجاة والاقتناع، لكن العراق الحديث، خصوصاً بعد 2003، جعل المنطقة الرمادية نفسها سبباً للعقاب، فسياسة "اجتثاث الحزب" بدأت كعنوانٍ لحماية النظام الجديد من عودة أدوات القمع، غير أن الخلل ظهر حين اتسع المفهوم أو ساء تطبيقه: من محاسبةٍ على فعلٍ محدد إلى عقابٍ على الهوية أو السيرة الوظيفية، ومن تحصينٍ للمؤسسات إلى تفريغها من الخبرة، وعندما تُقاس أهلية الفرد ببطاقةٍ قديمة لا بسلوكه الموثّق، يصبح القانون أداة فرزٍ اجتماعي، وتتحول الدولة إلى ساحة لتصفية الحسابات. تظهر أسئلة الفن والمعرفة هنا بحدة، فالمطرب الذي غنّى في مهرجان رسمي قد يكون مارس دعايةً بالفعل، وقد يكون أيضاً حاول أن يجد منفذاً لعمله في دولة احتكرت المنابر، والباحث الذي حمل بطاقة الحزب في زمن "الدولة-الحزب" قد يكون انتهازياً… وقد يكون مضطراً كي يحافظ على موقعه المهني ويجنب أسرته العوز، الخلط بين هذه الحالات يفتح باباً للظلم، والظلم في العدالة الانتقالية ليس تفصيلاً؛ إنه بذرة دورة انتقام جديدة، وثمنه الأكبر لا يدفعه السياسيون وحدهم، بل تدفعه الدولة حين تُستنزف نخبتها. لقد شهدت سنوات ما بعد 2003 تدهور الإحساس بالأمان المهني، وتعرضت الجامعات لمناخ تهديدٍ وعنف، وتوسعت موجات الهجرة، وما إن تُستهدف النخبة التعليمية والثقافية حتى تصبح الدولة أقل قدرة على إصلاح نفسها: تُستبدل الكفاءة بالولاء، والإنتاج بالاصطفاف، وتفقد المؤسسات ذاكرتها المهنية التي لا تعوَّض بالشعارات، ومن هنا تبدو محاسبة العلماء والكتّاب والمغنين لمجرّد الانتماء الوظيفي أو الحزبي خطأً مزدوجاً: خطأ أخلاقي لأنه يعاقب الناس على الصفة لا الفعل، وخطأ سياسي لأنه يضر الدولة أكثر مما يطهّرها، فالعدالة الانتقالية الرصينة تقوم على قواعد واضحة: تجريم الأفعال لا الأسماء، وقضاء مستقل وإجراءات عادلة لا قرارات إدارية جماعية ولا قوائم تتحول إلى بديلٍ عن الدليل، وفصل النقد الثقافي عن العقوبة السياسية عبر فتح الأرشيف وتفكيك خطاب الدعاية دون تحويل الإبداع إلى تهمة تلقائية، مع برنامجٍ لاستعادة العقول وحماية الأساتذة والباحثين وتسهيل عودة من هاجر وإغلاق باب التشهير والإقصاء. وتقدّم تجربة إقليم كردستان مثالاً لمقاربة مغايرة في إدارة ما بعد الصراع منذ 1991، حين اتجهت القيادة إلى المسامحة والعفو العام بوصفهما مدخلاً لإغلاق ملفات الثأر، مع ربط العودة إلى المجتمع بمسارات صلحٍ ومراعاة حقوق ذوي الضحايا، بما ساعد على تثبيت أمنٍ مجتمعي وتعايشٍ إنساني، وتحويل الصراع من حرب هويات إلى بناء مؤسسات. السؤال الحقيقي ليس: من كان مع النظام السابق؟ بل: كيف نبني دولةً بعد التغيير لا تستبدل الاستبداد بثأرٍ دائم، فدولة القانون تبدأ حين يصبح معيارها الفعل المجرّم لا الهوية، وحين تُقدَّم العدالة حمايةً للمجتمع… لا أداةً لتقسيمه!.