في البحث عن حقيقة سمكة القرش المرعبة التي أخافت الناس وأبعدتهم عن “عين عذاري” في أوائل السبعينات، يتذكر من كان صغيرًا وهو الآن في الخمسينات أو الستينات أنه سمع عن القصة ذات يوم، ويجزم صنف آخر بأنه لم يسمع بها على الإطلاق! أما صنف ثالث فيؤكد أنه “سمع أشاعة كاذبة” لا مكان لها من الصحة، فما هي القصة بالضبط؟ لا تروحون “عذاري” فيها “قرش”؟! ممتعة جدًا هي القصة في حقيقتها.. وخلفها “خطوة بحرينية نحو العالمية”.. كيف ذلك؟ والجواب أن عين عذاري في سبعينات القرن الماضي لم تكن مجرد نبع ماء عذب، بل مسرحًا مفتوحًا للحكايات.. هناك، في عمق عين لا يرى قاعها، ووسط بساتين نخيل كثيف، ولدت واحدة من أكثر قصص البحرين غرابة: سمكة قرش مرعبة قيل إنها ظهرت في العين.. الخوف كان حقيقيا بالنسبة للصغار والكبار: ”لا تروحون عذاري.. طلع فيها قرش”، حتى كاتب السطور يتذكر – عندنا كان في قرابة العاشرة من العمر، أنه سمع أحد أقربائه أنه في “ذات يوم” كان هناك سمكة قرش في عين عذاري وتم اصطيادها، لكن بعد مرور 54 عامًا، خرجت الحقيقة من عدسة الكاميرا نفسها.. تعالوا نستمتع بتفاصيل قصة من الماضي الجميل موثقة ولا تحتمل التأويل. الحقيقة لدى المصور العالمي خليفة شاهين قادنا البحث في مسار جمع المعلومات وتدوين ما في ذاكرة المواطنين، إلى المصدر الأول والأكثر وثوقًا وهو المصور البحريني العالمي خليفة شاهين الذي جاء بالقول الفصل، فالقصة بكامل دقتها أنه أثناء العمل في تصوير فيلم “حمد والقراصنة” عام 1971 بالتعاون مع “والت ديزني”، كان لابد من تصوير بطل الفيلم الطفل خالد بومرشد (حمد) في قاع البحر وتفاجئه سمكة قرش ليخرج سكينًا، وكان من الصعب تصوير الطفل في قاع البحر، فاخترنا عين عذاري لعمقها المناسب وطلبنا من بعض البحارة إحضار سمكة قرش إن أمكن، وبالفعل، اشتريناها من أحد الصيادين وشققنا بطنها وأخرجنا أحشاءها وأعدنا خياطتها، وربطنا ذيلها ورأسها بسلك خاص لا يظهر أثناء التصوير. الشرطة حول “عذاري” ولا يستبعد شاهين ظهور الإشاعة بين الناس حيث كان وقت التصوير محدودًا وتم منع الناس من الوصول إلى العين أثناء التصوير بالاستعانة بالشرطة، إلا أن البعض تمكن من الوصول إلى العين عبر بساتين النخيل.. سمكة القرش لم تكن حية بل حيلة سينمائية مدروسة، وربما منع الناس ووجود الشرطة حول العين هو ما أخرج الإشاعة. إلى هنا انتهت قصة سمكة القرش المرعبة بحقيقتها، لكن هناك ركنًا رياديًا يلفت له شاهين بالإشارة إلى أنه بعد مرور 26 عامًا من تصوير مشهد في عين عذاري، تبين أن الفيلم العالمي الشهير “تايتانيك 1997”، تم استخدام ذات الحيلة التي استخدمها فريق فيلم “حمد والقراصنة”! فمشاهد “تايتانيك” تم تصويرها في برك وأحواض سباحة.. يضيف شاهين :”نحن سبقناهم في جرأة المشهد وقوة الخدعة البصرية في أول فيلم في البحرين يصل إلى العالمية.. يحق لنا أن نفخر”. من الخدعة إلى الذاكرة تناول فيلم حمد والقراصنة مغامرة فتى يتيم يكتشف قيام قراصنة بسرقة آثار حضارة دلمون، وأظهر المصور خليفة شاهين البحرين بكل تنوعها الجغرافي والرمزي والتاريخي والتراثي بما في ذلك عين عذاري، ولهذا يمكن القول إن ما حدث لاحقًا لم يكن كذبًا متعمدًا من الناس، بل ذاكرة شعبية التقطت مشهدًا سينمائيًا وأخرجته من سياقه الفني، وكخاتمة “ذات يوم”، لم تكن القصة عن “سمكة قرش”، بل كيف صنعت السينما البحرينية ذاكرة الحكاية، فيعيدها التوثيق إلى مكانها الحقيقي. [instagram link=https://www.instagram.com/reel/DTkxBZYj0Sm/]