سقوط إيران… بين إدانة السياسات وخطر تفكيك الدولة #عاجل

كتب -اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني سواء اتفق العرب أو اختلفوا مع النظام الإيراني، وسواء قيّموا سياساته الإقليمية بوصفها داعمة أو معادية للمصالح العربية، فإن مقاربة ما يجري في إيران اليوم لا يمكن أن تُبنى على منطق الخصومة او الإختلاف العقائدي وحدهما، بل على قراءة متأنية وهادئة لموازين القوة والمآلات الاستراتيجية. فالدول والمصالح الإستراتيجية لا تُدار بردود الفعل او الإنفعال، وأخطر الأخطاء السياسية هو الخلط بين إدانة سلوك نظام، والترحيب بسقوط دولة إقليمية كبرى في لحظة شديدة الاضطراب. إيران تواجه اليوم وضعاً معقداً يتقاطع فيه الاحتقان او الغليان الداخلي مع ضغوط اقتصادية خانقة وتهديدات عسكرية مباشرة من الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا المشهد يفرض سؤالاً مركزياً: من هو المستفيد الأول من إضعاف إيران أو إسقاطها؟ وبعيداً عن المواقف الأيديولوجية والتاريخية، تقود القراءة الواقعية إلى نتيجة واحدة مفادها أن إسرائيل ستكون الرابح الأكبر من أي انهيار إيراني شامل. ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل السجل الإقليمي لطهران، ولا سيما تدخلها في عدد من الدول العربية. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، تمدد النفوذ الإيراني إلى ساحات عدة، أبرزها العراق وسوريا ولبنان واليمن. ففي سوريا والعراق، ورغم جسامة التدخل الإيراني، لم تكن طهران وحدها سبب انهيار الدولتين، بل كانت أحد المستثمرين في صراع دولي مفتوح شاركت فيه قوى متعددة في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. وفي لبنان، أسهم الدعم الإيراني لحزب الله في تكريس اختلال مزمن داخل الدولة عبر وجود قوة مسلحة خارج إطار الشرعية، قيّدت القرار الوطني وربطت الاستقرار الداخلي بحسابات إقليمية. وفي اليمن، شكّل دعم طهران لجماعة الحوثي تقسيما لليمن وتهديداً مباشراً للأمن الخليجي، عبر استنزاف دولة عربية هشة وتحويلها إلى ساحة صراع مفتوح. هذه السياسات ألحقت أضراراً جسيمة بالأمن القومي العربي، ولا يمكن تبريرها أو التقليل من خطورتها. غير أن الإقرار بخطورة هذا الدور لا يعني أن تفكيك الدولة الإيرانية سيكون علاجاً لهذه الأزمات. إسقاط إيران اليوم لن يغيّر هذه المعادلة، بل سينقلها إلى مستوى أوسع، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تفكك داخلي وصراعات عرقية ومذهبية عابرة للحدود. فالتجربة العربية القريبة تثبت أن انهيار الدول لا يُنهي النفوذ الخارجي، بل يعمّقه ويمنحه أشكالاً أكثر فوضوية. العراق، الذي تحوّل بعد إسقاط نظامه إلى ساحة نفوذ متنازع عليها، يقدّم مثالاً صارخاً على أن غياب الدولة المركزية لا يحرر القرار الوطني، بل يجعله أكثر ارتهاناً. الأخطر أن سقوط الدولة الإيرانية لا يعني بالضرورة زوال أدواتها الإقليمية، بل قد يؤدي إلى انفلاتها. فالميليشيات المرتبطة بدول منهارة قد لا تختفي، بل تتحول إلى قوى مستقلة أكثر تطرفاً وأقل قابلية للضبط، تبحث عن ممولين وتحالفات جديدة، ما يضاعف منسوب الفوضى في الإقليم بدلاً من احتوائه. في المقابل، تنظر إسرائيل إلى إيران من زاوية مختلفة تماماً. لا يهمها طبيعة النظام أو خطابه، بقدر ما يهمها غياب أي دولة كبيرة قادرة على شغلها أو موازنتها. إيران، بما تمثله من مساحة واسعة وكتلة بشرية وموقع جغرافي يربط الخليج بتركيا وجنوب آسيا، تشكّل أحد أعمدة التوازن الإقليمي. انهيارها سيحرر دولة الكيان الصهيوني من عبء استراتيجي ثقيل، ويفتح أمامها المجال لتوجيه ضغطها الكامل وسهامها نحو الساحة العربية. أما من يراهن على أن اتفاقيات السلام والتطبيع تشكّل ضمانة دائمة، فإنه يتجاهل حقيقة راسخة في العقيدة الصهيونية: العرب هم التهديد الاستراتيجي طويل الأمد، بينما تبقى التفاهمات السياسية ترتيبات مؤقتة تفرضها الظروف. ولهذا لم تكن إسرائيل يوماً معنية بقيام دول قوية ومستقرة في محيطها، بل فضّلت تاريخياً بيئة الانقسامات والأزمات التي تتيح لها توسيع نفوذها بأقل كلفة ممكنة. من هنا، فإن سقوط إيران لن يكون مكسباً عربياً استرتيجيا، بل سيمنح اسرائيل فرصة تاريخية لإعادة رسم توازنات المنطقة، عبر تفكيك مصادر القوة، وتوسيع بؤر الصراع والفوضى وتمددها جنوب ايران نحو الخليج او غربها نحو العراق وبلاد الشام، وتحويل المواجهة من صراع مركزي وجودي مع دولة الكيان إلى أزمات مستمرة ومتناثرة بين دول مجاورة منهكة. الخلاصة أن نقد الدور الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن والتصدي له موقف مشروع وضروري، لكن تحويل هذا النقد او التصدي إلى تأييد ضمني او علني لانهيار إيران كدولة هو خطأ استراتيجي جسيم. فالتجربة تثبت أن سقوط الدول في المنطقة لا يجلب الاستقرار ولا يُنهي التدخلات، بل يوسّع الفوضى ويخدم مشروعاً واحداً يتغذى على ضعف الجميع: المشروع الصهيوني التوسعي. .