شفق نيوز – ديالى بعيداً عن صخب المقاهي الشبابية ودخان وضجيج "الأركيلة"، وأصوات الدومينو والورق، تحتفظ زوايا هادئة من سوق بعقوبة (مركز محافظة ديالى) بنبض مختلف. المقاهي القديمة التي تُعرف محلياً بـ "مقاهي المتقاعدين ومقاهي الكبار"، إذ لا يختصرها "استكان شاي" أو حديث عابر، بل تشكّل فضاءً مفتوحاً للذاكرة والثقافة والحوار العميق. هذه المقاهي، بمقاعدها الخشبية القديمة، حافظت على طابعها البسيط، لا تعرف الضجيج ولا ازدحام الألعاب، بل تتميز بأحاديث رصينة ووجوه اعتادت الإصغاء قبل الكلام، مع شاي يُقدَّم كطقس اجتماعي لا كغاية. المقاهي تشهد ملتقيات تبلغ ذروتها يوم السبت، من كل أسبوع، وسط حضور لافت لمتقاعدين وأدباء وفنانين من مختلف مناطق المحافظة، فضلاً عن استضافة فنانين وشعراء من سائر مدن البلاد. في هذا الصدد، قال محمود أبو هدير، وهو من رواد المقاهي القديمة، لوكالة شفق نيوز، إن "المقاهي القديمة في سوق بعقوبة، ومن بينها مقهى الراحل أبو رقية ومقهى المعموري، أشبه بالصالونات الثقافية، حيث تتداول فيها الكتب والشعر والحكايات، وتناقش فيها القضايا العامة، وتُروى فيها ذكريات السياسة والفن والحياة". وأضاف أن "المقاهي المذكورة تمثل متنفساً هادئاً وحاضنة في مدينة تتسارع فيها وتيرة الحياة، بديلاً عن الأماكن الصاخبة، حيث يرتادها المتقاعد أو المثقف أو الفنان أو أي شخص في سنواته الأخيرة بملابس أنيقة تعكس احترامه للمكان، إذ يجد أجواء حياته ويتحدث مع من يشبهه في الحياة والأفكار". وأشار إلى أن "المقاهي القديمة تعكس حالة من الرقي، باعتبار أن المتقاعد يمثل حصيلة من الصراع الحياتي مع أجواء عمله، وعندما يُحال على التقاعد لا بد أن يلجأ إلى مكان يعيش فيه أجوائه الخاصة التي تعبر عن إحساسه في فترة حياته". من جانبه، بيّن عباس صبري، وهو مدير مدرسة متقاعد، أن "الملتقيات في هذه المقاهي تحتضن التربويين وكبار السن من مختلف الفئات، الذين لا مكان لديهم في الكافيهات الحديثة التي لا تتناسب مع أعمارهم". وأشار صبري، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن "الملتقيات هنا مناسبة لنا، إذ يتم استضافة شخصيات فنية أو أدبية مختلفة أسبوعياً، حيث تم استضافة الفنان محمود أبو العباس اليوم وناقشنا معه الدرامات العراقية وما تعانيه وما تحتاج". وتابع قائلاً إن "توسعة هذه الملتقيات والمقاهي واستمرارها مهم جداً للآلاف من أهالي مدينة بعقوبة ومختلف مناطق محافظة ديالى، باعتبارها مساحة للوعي وملتقى للعقول قبل الأجساد".