الإدانة لا توقف الصواريخ.. المال يفعل..

حين تُستهدف مكة المكرمة، وحين تتعرض الرياض لهجمات صاروخية، فإن المسألة لا تُختصر في خبر أمني، ولا تُحتوى ببيان إدانة، ولا تُغلق بجملة تضامن. نحن هنا أمام اعتداءٍ مباشرٍ على أرض الحرمين، وعلى عمق الدولة السعودية، وعلى مفهوم الأمن القومي بمعناه الأشمل.صحيح أن بيانات إدانة صدرت في أعوام سابقة من دول شقيقة تُدين الصواريخ الباليستية التي أُطلقت باتجاه مكة، والهجمات التي استهدفت الرياض. وصحيح أن هذه المواقف العلنية تُسجَّل سياسياً. لكن السؤال الذي لم يعد من الممكن تجاهله هو: ماذا بعد الإدانة؟لأن الوقائع، حين تتراكم، تُجبر الجميع على إعادة قراءة المشهد دون مساحيق.في يناير 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على شبكات قالت صراحة إنها تُسهّل تهريب النفط الإيراني، وتُحوّل الأموال لتمويل وتسليح جماعة الحوثي. اللافت، والخطير، أن البيان الرسمي ذكر كيانات تجارية مسجّلة في دبي والشارقة، تعمل - بحسب الخزانة- ضمن منظومة تسهيل مالي ولوجستي تصل في نهايتها إلى الحوثي.هنا لا نتحدث عن تحليل إعلامي، ولا عن اتهام صادر من طرف إقليمي، بل عن بيان رسمي أمريكي، مدعوم بتقارير لوكالات أنباء دولية مثل «رويترز». وهذا يفرض سؤالاً سياسياً وأمنياً لا يقبل التهرب: كيف يمكن أن تُدان الهجمات على السعودية رسمياً، بينما تُترك مسارات المال التي تُغذي منفذيها مفتوحة أو غير منضبطة؟الإدانة، حين تنفصل عن الفعل، تتحول إلى موقف شكلي. بل إن أخطر ما في الإدانة المجردة أنها تمنح غطاءً أخلاقياً، بينما تستمر الوقائع على الأرض في الاتجاه المعاكس. فالصاروخ لا ينطلق من فراغ، ولا يُصنَع من شعارات، ولا يُموَّل ببيانات.المعادلة باتت واضحة:كل تحويل مالي مشبوه،كل شركة واجهة،كل تساهل في الرقابة على تجارة الطاقة،قد يتحول في النهاية إلى صاروخ يطير باتجاه مدينة سعودية.وهنا لا يعود الصمت خياراً، ولا المجاملة سياسة، ولا الحساسية مبرراً.المملكة العربية السعودية لا تطالب أحداً بما يتجاوز المنطق. هي لا تبحث عن خصومات، ولا عن تصعيد إعلامي، ولا عن تحميل مسؤوليات جزافية. ما تطلبه بسيط وواضح: أن تتطابق المواقف المعلنة مع السلوك العملي، وأن تُغلق كل نافذة يمكن أن يتسلل منها المال إلى يد من يستهدف أمنها.الأمن القومي لا يُدار بالنوايا، بل بالأنظمة، ولا يُحمى بالتصريحات، بل بالرقابة والمساءلة والشفافية الصارمة. ومن يعتقد أن بإمكانه الوقوف في منطقة رمادية بين الإدانة العلنية والتسهيل العملي، فهو يسيء تقدير وعي الدول وخطورة المرحلة.اليوم، لم يعد السؤال: من أطلق الصاروخ؟بل: من موّل؟ ومن سهّل؟ ومن غضّ الطرف؟هذه الأسئلة ليست استفزازاً، بل ضرورة سيادية.ومن دون إجابات واضحة، ستبقى الإدانة مجرد سطر..بينما الحقيقة تُكتب بالحزم.وهنا، تحديداً،نصل إلى نقطة آخر السطر.