كيف غيّر تحسن ثقة الأعمال سلوك المنشآت السعودية؟

يعكس مؤشر ثقة الأعمال لشهر ديسمبر 2025، الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء، لحظة لافتة في مسار الاقتصاد السعودي، ليس فقط من حيث الأرقام المجردة، بل من زاوية المزاج العام للمنشآت وقدرتها على قراءة المستقبل بثقة محسوبة، فعندما يستقر المؤشر العام عند مستوى 62 نقطة، مرتفعًا بنسبة 2.2 % مقارنة بنوفمبر، فإن الرسالة الأعمق لا تتعلق بالتحسن الشهري وحده، بل بتراكم إشارات الطمأنينة التي باتت تتشكل لدى قطاع الأعمال مع اقتراب نهاية عام مليء بالتقلبات العالمية، هذا المستوى من المؤشر، وهو أعلى من حاجز الحياد البالغ 50 نقطة، يعني أن التفاؤل بات هو السمة الغالبة على توقعات المنشآت، وأن حالة الترقب الحذر التي سادت في فترات سابقة بدأت تتراجع لصالح رؤية أكثر وضوحًا لمسار الطلب والنشاط الاقتصادي. اللافت هنا أن هذا التحسن لم يكن حكرًا على قطاع بعينه، بل جاء متزامنًا عبر الصناعة والخدمات والتشييد، وهو ما يمنح القراءة بعدًا أكثر تماسكًا، إذ يصعب الحديث عن ثقة مستدامة إذا كانت محصورة في جزيرة قطاعية معزولة. في قطاع الصناعة، بلغ مؤشر ثقة الأعمال 62.2 نقطة، محققًا نموًا ملحوظًا مقارنة بالشهر السابق. هذا الرقم، وإن بدا قريبًا من المؤشر العام، إلا أنه يحمل دلالات خاصة، فالصناعة عادة ما تكون أكثر حساسية لتوقعات الطلب وأوامر الشراء وسلاسل الإمداد، ارتفاع الثقة هنا يشير إلى أن المنشآت الصناعية ترى في الأفق استقرارًا نسبيًا في الطلب، وتحسنًا في دورة المبيعات، وربما قدرة أفضل على التخطيط للإنتاج دون مخاوف حادة من تقلبات مفاجئة. هذه القراءة تتسق مع ما شهدته الأشهر الأخيرة من إعادة توازن في الأسواق، وانخفاض نسبي في الضغوط التي كانت تثقل كاهل المنتجين. أما قطاع الخدمات، الذي يُعد مرآة مباشرة لحركة الاستهلاك والنشاط اليومي، فقد سجل مؤشر ثقة عند مستوى 62 نقطة، مرتفعًا بنسبة 2.3 %. هذا الارتفاع يعكس شعورًا متزايدًا لدى منشآت الخدمات بأن الطلب الكلي يسير في اتجاه إيجابي، مدعومًا بتحسن توقعات المبيعات والتوظيف. وعادة ما يُنظر إلى الخدمات بوصفها القطاع الأكثر التصاقًا بالواقع الاقتصادي للمجتمع، وبالتالي فإن ارتفاع الثقة فيه يعني أن دورة الإنفاق لم تعد محكومة بالتحفظ المفرط، بل باتت أقرب إلى نمط إنفاق متوازن ومستقر. في قطاع التشييد، جاء مؤشر الثقة عند 61.8 نقطة، بزيادة 1.8 % عن نوفمبر. ورغم أن هذا القطاع غالبًا ما يتحرك بوتيرة أبطأ من غيره، نظرًا لطبيعة المشروعات طويلة الأجل، إلا أن التحسن المسجل يحمل دلالة مهمة، تتعلق بتوقعات الإنفاق الاستثماري والمبيعات المستقبلية. فارتفاع الثقة هنا يعكس قناعة لدى المنشآت بأن المشاريع القائمة والمخططة تسير ضمن مسار مستقر، وأن البيئة الاستثمارية ما زالت قادرة على استيعاب نشاط جديد دون مخاطر غير محسوبة. امتصاص صدمات موسمية القراءة الزمنية للمؤشر خلال عام 2025 تضيف بعدًا آخر للتحليل. فالمؤشر بدأ العام عند مستويات مرتفعة نسبيًا في يناير، ثم شهد تذبذبات محدودة خلال الأشهر اللاحقة، قبل أن يعاود الارتفاع في الربع الأخير. هذا المسار يوحي بأن الاقتصاد السعودي استطاع امتصاص صدمات موسمية وعوامل خارجية، ليعود في نهاية العام إلى منطقة التفاؤل الواضح. مثل هذا السلوك في المؤشرات القيادية غالبًا ما يُفسر على أنه دليل نضج في دورة الأعمال، وقدرة أفضل على التكيف مع المتغيرات. من الناحية المنهجية، يعتمد مؤشر ثقة الأعمال على مسوح ميدانية تقيس تقييم المنشآت لأوضاعها الراهنة وتوقعاتها المستقبلية، وهو ما يمنحه قيمة نوعية تتجاوز البيانات الكمية التقليدية. فالثقة، في نهاية المطاف، ليست رقمًا محاسبيًا، بل انعكاس لتوقعات وسلوكيات قد تتحول لاحقًا إلى قرارات استثمارية وتوظيفية. وعندما تتجاوز هذه الثقة مستوى الحياد بفارق مريح، فإنها تمثل بيئة نفسية واقتصادية مواتية للنمو. أخيراً، لا يمكن النظر إلى ارتفاع مؤشر ثقة الأعمال في ديسمبر 2025 باعتباره حدثًا عابرًا أو رقمًا شهريًا قابلًا للنسيان. إنه خلاصة مسار من الاستقرار النسبي، ورسالة ضمنية بأن قطاع الأعمال بات يرى المستقبل بقدر أقل من القلق وبقدر أكبر من اليقين. صحيح أن التحديات لم تختفِ، وأن الاقتصاد العالمي لا يزال يفرض إيقاعه، لكن ما تكشفه هذه البيانات هو أن الداخل الاقتصادي يمتلك من الأدوات والثقة ما يكفي لمواصلة الحركة إلى الأمام بثبات محسوب، لا اندفاع فيه ولا تردد.