لم يكن تشكيل لجنة إدارة قطاع غزة خطوة إدارية عابرة، بل جاء نتيجة ترتيبات سياسية وأمنية معقّدة قادتها واشنطن من خلف الكواليس، بهدف إعادة هندسة شكل الحكم في القطاع خلال مرحلة ما بعد الحرب. وتكشف مصادر مطلعة أن المستشار الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب، جاريد كوشنر، كان صاحب فكرة تشكيل اللجنة، والمشرف على اختيار أعضائها، وصياغة برنامج عملها. ولم يقتصر دوره على الدعم السياسي، بل امتد إلى إدارة التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالأسماء والتوازنات وآليات التنفيذ. لقاءات مغلقة في ثلاث عواصم على مدى ثلاثة أشهر، أجرى كوشنر سلسلة لقاءات مع شخصيات فلسطينية وعربية في القاهرة وأبوظبي والدوحة، جرى خلالها بحث أسماء مرشحين تتوفر فيهم صفات “التكنوقراط” القادرين على إدارة شؤون غزة بعيدًا عن الاصطفافات الفصائلية التقليدية. وخلال هذه اللقاءات طُرحت عشرات الأسماء، لكن عدداً محدوداً فقط انتقل إلى المرحلة النهائية. غربلة أمنية وسياسية صارمة خضعت الأسماء المرشحة لعمليات فحص شملت التقييم الأمني والتدقيق السياسي والكفاءة المهنية، إضافة إلى قياس القبول الإقليمي والدولي. وتم استبعاد قيادات فصائلية بارزة، وشخصيات حكومية مركزية، ورموز محسوبة بشكل مباشر على حركتي “حماس” أو “فتح”، بهدف تشكيل لجنة ذات طابع إداري مهني لا سياسي صدامي. تكنوقراط بدل الفصائل التركيبة النهائية للجنة ضمّت شخصيات اقتصادية وقيادات مجتمعية وخبراء إداريين، بعضهم قريب من التيار الإصلاحي الذي يقوده محمد دحلان، وآخرون لديهم علاقات مع السلطة الفلسطينية أو فصائل صغيرة، من دون منح أي فصيل نفوذًا مباشرًا داخل اللجنة. ملادينوف رئيسًا بتوافق أميركي–عربي تم اختيار الدبلوماسي البلغاري السابق نيكولاي ملادينوف رئيسًا للمجلس التنفيذي للجنة، بناءً على توصيات عربية ودعم من محمد دحلان، نظرًا لخبرته في الملف الفلسطيني وعلاقاته الدولية. وسيكون ملادينوف حلقة الوصل بين اللجنة ومجلس السلام الذي تقوده الإدارة الأميركية، فيما يبقى كوشنر المرجعية السياسية الفعلية لعمل اللجنة. رفض مقترحات السلطة الفلسطينية حاولت السلطة الفلسطينية لعب دور أكبر في تشكيل اللجنة، وقدّمت عشرات الأسماء عبر الوساطة المصرية، كما اقترحت أن يتولى نائب رئيس الوزراء ماجد أبو رمضان رئاسة اللجنة للتأكيد على وحدة النظام السياسي الفلسطيني، لكن معظم هذه المقترحات قوبلت بالرفض، ما يعكس محدودية تأثير رام الله في رسم ملامح المرحلة الجديدة في غزة. تحفظات حماس لم تغيّر القرار رغم إعلان حركة حماس والفصائل دعمها للجنة، فإنها أبدت تحفظات على بعض التعيينات، خصوصًا تعيين اللواء سامي نسمان مسؤولًا أمنيًا. واتهمت الحركة نسمان بممارسة انتهاكات خلال فترة سيطرة السلطة على غزة قبل الانقسام، إلا أن واشنطن أصرت على إبقائه في موقعه، في مؤشر واضح على أن الملف الأمني سيكون تحت إشراف صارم وبعيدًا عن تأثير الفصائل. وتكشف كواليس اختيار أعضاء لجنة إدارة غزة عن إدارة أميركية مباشرة للملف، ودور محوري لجاريد كوشنر، ومشاركة عربية غير معلنة، مع تهميش نسبي للفصائل الفلسطينية، والتركيز على نموذج تكنوقراطي إداري. وتهدف هذه الترتيبات إلى إنتاج سلطة جديدة في غزة قادرة على إدارة الخدمات وتهيئة الأرضية لنزع السلاح وإعادة رسم شكل الحكم في مرحلة ما بعد الحرب.