خاص _ قال الخبير الاقتصادي سامي شريم إن صدور تقرير حالة البلاد عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني يمثل لحظة فارقة في الخطاب العام، لأنه للمرة الأولى ينقل توصيف الأزمة من خانة المعارضة والإعلام والشارع إلى وثيقة رسمية صادرة عن مؤسسة استشارية يُفترض أنها قريبة من مركز القرار. وأوضح شريم ل الأردن ٢٤ أن أهمية هذا التحول لا تكمن في اللغة المستخدمة فقط، بل في الاعتراف الضمني بأن ما تعيشه البلاد لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل أزمة بنيوية تتطلب وقفة جادة. فالتقرير، بحسب شريم، لا يكتفي بوصف الأعراض، بل يربط بينها ضمن سياق واحد، كاشفًا أن التراجع الاقتصادي والاجتماعي ليس طارئًا ولا موسميًا، بل نتيجة تراكمات طويلة في السياسات والإدارة وطريقة اتخاذ القرار. وأضاف أن التقرير كسر حاجز الإنكار الرسمي، وأعاد النقاش إلى جوهر المشكلة بعيدًا عن التبريرات الجاهزة، إذ أقر بضعف النمو، وتآكل الطبقة الوسطى، وتراجع جودة الخدمات، واتساع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات. ووضع هذه العناصر ضمن إطار واحد يعكس خللًا في النموذج التنموي نفسه، لا في أدواته فقط، معتبرًا أن هذا الاعتراف بحد ذاته رسالة واضحة للحكومة بأن إدارة الأزمة بالخطاب لم تعد مجدية، وأن لغة الأرقام والوقائع باتت أعلى من أي رواية سياسية. وبيّن شريم أن التقرير يتجاوز خطاب المعارضة التقليدي لأنه لا يعتمد التعميم أو الشعارات، بل يقدم تشخيصًا قائمًا على مؤشرات ومعطيات رسمية، ما يمنحه ثقلًا مضاعفًا. فحين تصدر هذه الملاحظات عن جهة كانت توصف لسنوات بأنها جزء من المنظومة، فهذا يعني أن حجم الخلل بلغ مستوى لا يمكن تجاهله أو تغطيته بالتجميل، ليصبح التقرير وثيقة مساءلة وطنية تضع الجميع أمام مسؤولياتهم. وأشار إلى أن الرسالة الأوضح في التقرير هي أن الاقتصاد لا يتحسن بالإدارة وحدها إذا بقيت البيئة العامة طاردة، وأن العدالة الاجتماعية لا تكون شعارًا إذا لم تنعكس في توزيع الفرص، وأن الاستقرار لا يُصان بالقوة بل بالثقة. وهي خلاصات طالما ترددت في الشارع، لكنها اليوم تأتي بلغة مؤسسية، ما يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي: إما التعامل مع التقرير كمرجع للتصحيح، أو تحويله إلى وثيقة مؤرشفة تُضاف إلى رفوف التشخيصات المؤجلة. وحذّر شريم من أن أخطر ما كشفه التقرير ليس حجم الأزمة بحد ذاته، بل خطر الاعتياد عليها، حين يصبح التراجع أمرًا طبيعيًا، والبطء مقبولًا، وضعف الأداء واقعًا مفروضًا. واعتبر أن هذا المسار يفقد المجتمع مناعته، ويضعف قدرة الدولة على المبادرة، مؤكدًا أن التقرير يدق ناقوس الخطر من هذا المنزلق، ويبيّن أن استمرار النهج الحالي سيعمّق الفجوات ويرفع كلفة الإصلاح مستقبلًا. وأكد أن المطلوب بعد صدور التقرير ليس الرد أو الدفاع، بل الفعل السياسي والاقتصادي الواضح، من خلال مراجعة شاملة للنهج لا مجرد تعديلات شكلية، وإعادة الاعتبار للكفاءة والإنتاج والمساءلة، وربط القرار بالنتائج لا بالنوايا. وفي نقد مباشر، أشار شريم إلى أن تقرير حالة البلاد قدّم تشخيصًا واسعًا للاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، لكنه تعمّد تغييب المسؤولية، وكأننا أمام نتائج بلا فاعلين وسياسات بلا صُنّاع، وهو ما اعتبره أخطر ما في الأمر، لأن غياب المحاسبة يفرغ أي تشخيص من مضمونه الحقيقي ويحوّله إلى مادة توصيفية لا أكثر. وشدد على أن أي حديث عن إصلاح جاد يفقد معناه إذا لم يترافق مع إزالة الآثار الكارثية للسياسات التي زلزلت الاقتصاد الأردني، وهو ما يستوجب مراجعة شاملة للاتفاقيات والمعاهدات والعقود التي استنزفت الدولة، وإلغاء مؤسسات وهيئات ووزارات وسفارات وشركات لا لزوم لها، والتصدي للفساد الإداري باعتباره الأخطر، عبر مراجعة التعيينات، وإعادة الحقوق لأصحابها، ووقف عقود الخدمة التي تحولت إلى باب منظم للفساد، وإلغاء وظائف الملحق والخبير والمفوض، وتقليص عدد المستشارين والسيارات. وختم شريم بالتأكيد على أن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على التقارير وحدها، بل على القرارات الشجاعة والأفعال الحاسمة، معتبرًا أن تقرير حالة البلاد ليس نهاية النقاش بل بدايته، وفرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة إذا أُحسن التعامل معه، وإنذارًا صريحًا بأن الوقت لم يعد في صالح التأجيل، وأن تغيير النهج بات ضرورة وطنية تفرضها الأرقام والوقائع قبل أن يفرضها الشارع. .