ماذا يجري شمال سوريا!؟ عودة التاريخ إلى الجغرافيا.. #عاجل

خارج النص- كتب حلمي الأسمر - حين انتهت المهمة وبقي الوكيل سقوط «قسد» خارج المعركة… وانهيار زمن الكانتونات من شرق الفرات إلى جبل العرب لا تُقاس الهزائم الكبرى بعدد القتلى ولا بحجم الدمار، بل بلحظة تغيّر السلوك. حين تنسحب الجيوش قبل أن تُهزم، وحين تُسلَّم الأرض بلا قتال، وحين يتحوّل القائد من خطاب "المشروع” إلى لغة "الضمانات”… فاعلم أن النهاية وقعت، حتى لو لم تُعلَن. ما يجري شمال سوريا اليوم ليس اشتباكًا عابرًا، ولا إعادة انتشار تكتيكية، ولا أزمة مؤقتة. ما يجري هو تفكيك بارد لكيان وُلد بوظيفة، لا بهوية، وانتهت صلاحيته مع تغيّر البيئة التي أنجبته. --- «قسد»: من حركة متخيَّلة إلى وظيفة منتهية منذ لحظة تشكّلها، لم تكن «قسد» حركة تحرر ولا تعبيرًا عن إرادة شعبية جامعة، بل أداة إدارة فراغ صُنعت في لحظة دولية استثنائية تضافرت فيها أربعة عناصر: 1. فراغ سيادي كامل شرق الفرات 2. عدو كوني (داعش) يبرّر كل أشكال التدخل 3. رغبة أميركية بالسيطرة دون التورط 4. حاجة لتجميد الجغرافيا السورية لا لإعادة بنائها لهذا لم تُبنَ «قسد» على عقد اجتماعي، بل على سلاح ومال وغطاء جوي. وحين تنتهي الوظيفة، لا يبقى سوى الهيكل… والهيكل لا يحارب. --- الأرض تتكلم: الهزيمة التي بلا معركة من يقرأ الميدان اليوم لا يحتاج إلى بيانات: انسحابات صامتة غرب الفرات نقاط تُسلَّم بلا قتال وحدات غير كردية تتفكك أولًا انكشاف كامل للعمق العشائري إعادة تموضع لا تشبه خرائط الدفاع بل خطوط الانكفاء الأحدث على الأرض يزيد من الطين بلّة: الجيش السوري سيطر على سد الفرات، ما يمنحه السيطرة على المياه والممرات الحيوية شرق النهر. السيطرة على أكبر حقل نفطي شمال سوريا تُفقد «قسد» أهم مصدر دخلها الاقتصادي، مما يحوّل وحداتها المسلحة إلى جسم بلا قلب مالي أو استراتيجي. هذه ليست تكتيكات قوة تستعد للصمود، بل سلوك كيان يعرف أن القرار اتُّخذ فوق رأسه. الهزيمة هنا ليست عسكرية، بل استراتيجية: سقوط المعنى قبل سقوط السلاح. --- مظلوم عبدي: قائد عند نهاية الدور نفسيًا: عقل الوكيل في لحظة الانكشاف مظلوم عبدي لم يُصنع كقائد دولة، بل كمدير وظيفة. تشكل وعيه داخل معادلة واحدة: الحماية تأتي من السماء… لا من الأرض. وحين بدأ الغطاء يتقلص، دخل في قلق الوكيل عند نهاية العقد: تراجع في النبرة، غموض في الخطاب، وانتقال متدرّج من "الإدارة الذاتية” إلى "اللامركزية” ثم إلى "الحوار”. هذا ليس نضجًا سياسيًا، بل تفككا داخليا في الإحساس بالدور. سياسيًا: من قائد مشروع إلى مدير تصفية اليوم، مظلوم عبدي لا يقود معركة، بل: يدير خروجًا يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الهيكل يبحث عن ضمانات شخصية قبل أن تكون سياسية أصبح وسيط تسليم منظم لا شريك تفاوض، ورجلًا يُدير النهاية باسم الاستمرار. --- العشائر: حين يسقط الوكيل يسقط الغطاء الاجتماعي أخطر ما واجه «قسد» لم يكن تقدّم الجيش السوري، بل انقلاب المزاج الاجتماعي. العشائر التي جرى تحييدها أو تهميشها أو استخدامها كديكور سياسي، قرأت الواقع ببراغماتية قاسية: لا مشروع، لا حماية دائمة، ولا أفق. ما يحدث ليس تمرّدًا معلنًا، بل انسحابا صامتا من الرهان. العشيرة لا تموت من أجل شعار؛ تختار البقاء. وحين تكتشف أن القوة المسيطرة لا تمثلها ولا تحميها ولا تملك ضمانة الاستمرار، تنفض يدها منها بلا ضجيج. هنا انكشف «قسد» غرب الفرات أولًا، وهنا تآكلت سريعًا في المناطق العربية تحديدًا. القوة التي بلا شرعية اجتماعية تنهار فور اهتزاز ميزان القوة. --- من شرق الفرات إلى جبل العرب: عدوى سقوط الكيانات الوظيفية ارتدّ ما يجري شمالًا جنوبًا. إقليم الدروز، في محافظة السويداء الذي شهد في لحظة مطالب بكيان منفصل أو حكم ذاتي، بنى رهانه على فرضية واحدة: ضعف الدولة السورية. لكن الفرضية انهارت. مع عودة الدولة كقدر سياسي، وسقوط وهم الحماية الخارجية، أعاد الدروز—بحسّهم التاريخي—قراءة المشهد: لا أمريكا تحمي كيانًا، لا إسرائيل تضمن الاستمرار، ولا المجتمع الدولي يعترف بكيانات بلا سيادة. فتراجع السقف من: كيان منفصل إلى: إصلاحات داخل الدولة ضمانات سياسية تموضع وطني لا انفصال هذا التحول ليس تنازلًا، بل إدراك لانتهاء زمن الكانتونات. --- إسرائيل: من تفكيك سوريا إلى إدارة الفشل كانت إسرائيل الأكثر حماسة لمشروع تفكيك سوريا إلى كنتونات: كردي في الشمال، درزي في الجنوب، وسط هش بلا عمود فقري. لكن الوقائع قلبت الحسابات: «قسد» تآكلت الجنوب لم ينفصل العشائر لم تتحول إلى أدوات الدولة السورية لم تسقط فانتقل الموقف الإسرائيلي من صناعة الكيانات إلى إدارة التهديد: ضربات موضعية بدل مشاريع تفكيك شاملة. إسرائيل اليوم لا تبني بدائل، بل تتعامل مع فشل الرهان. --- لماذا لا تنقذ أمريكا «قسد»؟ لأن أمريكا لا تحارب من أجل وكلاء انتهت وظائفهم. لن تصطدم بدمشق، ولا بروسيا، ولا بإيران، ولن تضحي بتركيا. ما تُبقيه واشنطن اليوم ليس غطاء حرب، بل غطاء تفكيك: ردع محدود، حماية من الانفجار، وإدارة خروج بلا صور محرجة. --- خاتمة: حين يعود التاريخ إلى الجغرافيا السيطرة على سد الفرات، والسيطرة على أكبر حقل نفطي شمال سوريا، لم تُسقط فقط مواقع جغرافية أو موارد استراتيجية، بل حطمت الأعمدة الثلاثة التي قامت عليها «قسد»: القوة العسكرية الشرعية الاجتماعية المورد المالي «قسد» لا تسقط تحت القصف، بل تذوب مع تغيّر المناخ الدولي والواقع الاقتصادي والاجتماعي. ومظلوم عبدي لا يُسقطه خصم، بل يسقطه الزمن. وما يقال الآن أن مظلوم عبدي في دمشق الان ل (التفاوض) على إنقاذ ما يمكن إنقاذه ولن يكون كثيرا!! التاريخ لا يخلّد الوكلاء، ولا يحتفظ بالكيانات التي وُلدت من الفراغ، ولا يحمي المشاريع التي قامت على تعطيل الدولة لا على بنائها. ما نشهده اليوم ليس انتصار طرف على آخر، بل عودة التاريخ إلى الجغرافيا، وسحب الامتياز من مرحلة عاشت على الاستثناء. حين تنتهي الوظيفة، يعود السؤال القديم: من يملك الأرض… ومن يملك الزمن؟ وفي سوريا، مهما طال الطريق، الزمن لا يسير إلا باتجاه الدولة. .