بين الذهب والنفط والدولار: خريطة أسواق المعادن والطاقة في 2026 في عالم شديد الاضطراب #عاجل

كتب د. عدلي قندح - مع دخول عام 2026، تقف أسواق الذهب والفضة والمعادن الثمينة والنفط عند مفترق طرق تاريخي، بعد عام 2025 الذي كان استثنائيًا بكل المقاييس من حيث التقلبات الحادة، واتساع رقعة التوترات الجيوسياسية، والتحولات العميقة في السياسات النقدية والمالية العالمية. ولم تعد قراءة مستقبل هذه الأسواق ممكنة دون فهم دقيق لمسار الدولار الأميركي، واتجاهات أسعار الفائدة، وحالة الاقتصاد العالمي، إضافة إلى المتغيرات السياسية التي باتت تلعب دورًا مباشرًا في تسعير السلع. لقد شكّل الأداء القوي للذهب والفضة في 2025 انعكاسًا واضحًا لتراجع الثقة بالنظام النقدي العالمي القائم على العملات الورقية، في مقابل أداء متذبذب لسوق النفط الذي تأثر بفائض المعروض وتباطؤ الطلب العالمي، رغم بقاء العامل الجيوسياسي حاضرًا بقوة في تحديد اتجاهاته. ومن هنا، فإن عام 2026 يبدو عامًا مفصليًا، لا من حيث الأسعار فقط، بل من حيث إعادة تعريف أدوار هذه السلع في المحافظ الاستثمارية. أولًا: الذهب في 2026… ملاذ آمن أم مرحلة إعادة تموضع؟ دخل الذهب عام 2026 وهو يحمل إرثًا ثقيلًا من المكاسب التي حققها في 2025، مدفوعًا بثلاثة عوامل رئيسية: تصاعد المخاطر الجيوسياسية، الضغوط المتزايدة على العملات الكبرى، وتوقعات خفض أسعار الفائدة الأميركية أو بقائها عند مستويات حقيقية منخفضة. إلا أن التحدي الأهم يتمثل في قدرة الذهب على الحفاظ على مستوياته المرتفعة دون التعرض لتصحيحات حادة. على المدى القصير، يبقى الذهب شديد الحساسية لأي بيانات تتعلق بالتضخم الأميركي أو توجهات الاحتياطي الفيدرالي. أي تشدد مفاجئ في السياسة النقدية، أو تحسن قوي في أداء الدولار، قد يدفع إلى عمليات جني أرباح وتصحيحات سعرية طبيعية بعد موجات الصعود السابقة. أما على المدى المتوسط، فإن استمرار العجز في الموازنات العامة، وارتفاع كلفة خدمة الدين، واتساع الفجوة بين السياسة المالية والنقدية، كلها عوامل تعزز الطلب على الذهب كأداة تحوط استراتيجية. وعلى المدى الطويل، يظل الذهب أحد أعمدة حفظ القيمة في عالم يتجه تدريجيًا نحو تعددية نقدية، مع تنامي استخدام العملات المحلية في التجارة الدولية، وتزايد مشتريات البنوك المركزية من الذهب كبديل جزئي عن الاحتياطيات الدولارية. ثانيًا: الفضة… معدن التحول الصناعي عالي التقلب إذا كان الذهب عنوان الاستقرار النسبي، فإن الفضة تمثل عنوان التحول الاقتصادي والتكنولوجي. فقد أظهرت الفضة في 2025 أداءً لافتًا، لم يكن مدفوعًا بالمضاربة وحدها، بل بالطلب الصناعي المتزايد في قطاعات الطاقة الشمسية، والإلكترونيات، والمركبات الكهربائية، والتقنيات المرتبطة بالتحول الأخضر. في 2026، يُتوقع أن يستمر هذا الزخم، لكن ضمن بيئة عالية التقلب. فالفضة أكثر حساسية لدورات النمو الاقتصادي من الذهب، ما يجعلها عرضة لتراجعات حادة في حال تباطؤ الاقتصاد العالمي، لكنها في المقابل تحقق مكاسب أكبر في فترات ضعف الدولار أو تحسن النشاط الصناعي. لذلك، تمثل الفضة فرصة استثمارية واعدة على المدى المتوسط والطويل، لكنها تتطلب قدرة أعلى على تحمل المخاطر. ثالثًا: المعادن الثمينة الأخرى… رهانات صناعية لا ملاذات تقليدية رغم تركّز الاهتمام الإعلامي والاستثماري على الذهب والفضة، فإن معادن مثل البلاتين والبلاديوم تلعب دورًا متزايد الأهمية في 2026، خاصة في الصناعات المرتبطة بتقنيات تقليل الانبعاثات والطاقة النظيفة. هذه المعادن ترتبط بالدورة الصناعية أكثر من ارتباطها بالعوامل النقدية، ما يجعلها أقل جاذبية كملاذات آمنة، لكنها أكثر حساسية لأي انتعاش اقتصادي عالمي. وفي حال تسارع التحول نحو الهيدروجين الأخضر والمركبات الكهربائية، فقد نشهد إعادة تسعير تدريجية لهذه المعادن على المدى الطويل، وإن بقيت تحركاتها قصيرة الأجل عرضة للتذبذب. رابعًا: النفط في 2026… بين فائض المعروض وسيناريوهات الصدمة يظل النفط السلعة الأكثر تأثرًا بالتوازنات الجيوسياسية. ففي 2025، تعرضت أسعاره لضغوط نتيجة فائض المعروض وتباطؤ الطلب، لكن عام 2026 قد يحمل سيناريوهات متناقضة. فمن جهة، يستمر التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة في كبح النمو الهيكلي للطلب على النفط، ومن جهة أخرى، تبقى الأسواق عرضة لصدمات مفاجئة ناتجة عن نزاعات إقليمية أو تعطلات في سلاسل الإمداد. على المدى القصير، ستبقى أسعار النفط رهينة قرارات أوبك+ ومستوى الالتزام بخفض الإنتاج، إضافة إلى التطورات الجيوسياسية. وعلى المدى المتوسط، قد نشهد نطاقات سعرية مستقرة نسبيًا إذا لم تحدث صدمات كبيرة. أما على المدى الطويل، فإن مستقبل النفط مرتبط بمدى سرعة التحول الطاقي العالمي، وهو تحول تدريجي يعيد تعريف دور النفط دون أن يلغي أهميته. خامسًا: الدولار الأميركي… المحرك الخفي للأسواق لا يمكن تحليل أسواق المعادن والطاقة دون التوقف عند مسار الدولار الأميركي. فضعف الدولار في 2025 كان أحد أبرز محركات صعود الذهب والفضة. وفي 2026، ستبقى الثقة بالدولار عاملًا حاسمًا، خاصة في ظل الجدل المتصاعد حول استقلالية السياسة النقدية الأميركية، واستدامة الدين العام. أي تراجع في مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية، حتى وإن كان تدريجيًا، ينعكس مباشرة على أسعار السلع المقومة به. وفي المقابل، فإن أي عودة قوية للدولار قد تشكل عامل ضغط مؤقت على المعادن، دون أن تغيّر الاتجاهات الهيكلية الداعمة لها. سادسًا: ماذا على المستثمرين، وخاصة صغارهم، أن يفعلوا؟ عام 2026 ليس عامًا للمراهنة العشوائية، بل عامًا لإدارة المخاطر. فصغار المستثمرين غالبًا ما ينجرفون خلف القمم السعرية، ويدخلون الأسواق في توقيت غير مناسب. من الحكمة تخصيص جزء محدود من المحفظة للمعادن الثمينة كأداة تحوط، دون المبالغة في التركيز على أصل واحد. على المدى القصير، يُنصح بالحذر وتجنب القرارات الانفعالية. على المدى المتوسط، يمكن اعتماد استراتيجية الشراء التدريجي لتخفيف أثر التقلبات. أما على المدى الطويل، فإن الذهب وبعض المعادن الاستراتيجية تبقى مكونات أساسية لأي محفظة تسعى للحفاظ على قيمتها في عالم شديد الاضطراب. الخلاصة عام 2026 هو عام تتقاطع فيه السياسة بالاقتصاد، والنقد بالجغرافيا السياسية، والتكنولوجيا بالموارد الطبيعية. الذهب والفضة والمعادن الثمينة والنفط لن تتحرك بمعزل عن هذا المشهد المعقد، بل ستكون مرآته الأكثر صدقًا. والمستثمر الذكي هو من يقرأ هذه المرآة بهدوء، بعيدًا عن الضجيج، مدركًا أن حماية رأس المال لا تقل أهمية عن تحقيق العائد. وما بعد الخلاصة: قراءة استراتيجية لما بعد 2026 ولا بد في ختام هذا التحليل من الإشارة إلى أن عام 2026 قد لا يكون نهاية دورة، بل بداية مرحلة أطول من إعادة تشكيل النظام الاقتصادي والمالي العالمي. فالتحولات الجارية اليوم، سواء في بنية النظام النقدي الدولي أو في خريطة الطاقة العالمية أو في طبيعة الصراعات الجيوسياسية، هي تحولات بنيوية لا ظرفية، ما يعني أن آثارها ستمتد لسنوات قادمة. في هذا السياق، تتحول المعادن الثمينة من أدوات استثمارية تقليدية إلى مكونات استراتيجية في إدارة الثروة. فالذهب لم يعد مجرد تحوط ضد التضخم، بل تحوط ضد عدم اليقين السياسي والنقدي معًا. والفضة لم تعد مجرد معدن ثمين تابع للذهب، بل عنصر أساسي في سلاسل القيمة الصناعية المستقبلية. أما النفط، فرغم كل الحديث عن تراجعه، فإنه سيبقى سلعة استراتيجية بامتياز، وإن ضمن نطاقات سعرية أكثر انضباطًا وتحكمًا. الدرس الأهم للمستثمر في 2026 الدرس الجوهري الذي يفرضه واقع الأسواق اليوم هو أن النجاح لم يعد حكرًا على من "يتوقع السعر الصحيح”، بل على من يملك رؤية شاملة، وصبرًا استثماريًا، وقدرة على التكيف مع سيناريوهات متعددة. فالعالم يتجه نحو مرحلة تتراجع فيها اليقينيات، وتزداد فيها أهمية القراءة العميقة للاتجاهات طويلة الأمد بدل الارتهان للتقلبات اليومية. ومن هنا، فإن أفضل استراتيجية في 2026 لا تقوم على الرهان الأحادي، بل على التوازن المدروس بين الأصول، والتمييز الواضح بين الاستثمار والمضاربة، وبين الضجيج الإعلامي والإشارات الاقتصادية الحقيقية. كلمة أخيرة لسنا أمام عام عادي في تاريخ أسواق السلع، بل أمام مرحلة انتقالية كبرى. ومن يفهم طبيعة هذه المرحلة، ويتعامل معها بعقل بارد ورؤية بعيدة، سيكون الأقدر ليس فقط على حماية ثروته، بل على الاستفادة من التحولات الكبرى التي يعيد فيها العالم كتابة قواعد اللعبة الاقتصادية من جديد. .