مشهد سوريالي من عالم التحديث السياسي والعمل الحزبي والجامعي.

وبعد أزيد من أربعة أعوام من صدور مخرجات لجنة تحديث منظومة الحياة السياسية في الاردن التي حظيت برعاية ملكية سامية وما انبثق عنها من مخرجات وضعت التحول نحو العمل الحزبي في موقع القلب من عمليات التحديث السياسي في البلاد، وفي خضم جبال من الازمات التي تتراكم في البلاد وفي الاقليم يحدث أن أتلقى دعوة عبر بريدي الالكتروني الجامعي لحضور" مؤتمر" يعنى بالمرأة ودورها في التحديث السياسي مع تركيز شديد من قبل المتحدثين في "المؤتمر" على أهمية العمل الحزبي وتشجيع المرأة على الانخراط في العمل الحزبي. وكان لافتا في هذا "المؤتمر" تنظيمه من قبل مركز دراسات المرأة في جامعة اليرموك والذي تشاء الصدف أن اكون أحد أعضاء اللجنة التأسيسية التي عملت على انشائه قبل حوالي الخمسة عشر عاما، وليتم قطع علاقتي بالمركز ما أن صدر قرار انشائه. كما كان لافتا أن ينعقد المؤتمر بالشراكة مع مبادرة "يلا نتحزب...يلا نشارك" واذ سبق لاسم هذه المبادرة ان تردد عدة مرات في الجامعة خلال السنوات الماضية في حقبة الرئيس السابق لجامعة اليرموك والرئيسة السابقة لمجلس أمناء الجامعة التي غادرت موقعها قبل أشهر قليلة. والحال، فإن انعقاد "المؤتمر" بقائمة المشاركين فيه من اصحاب المعالي والسعادة والعطوفة، كما تسمية "المؤتمر" التي خلعت عليه، كما هوية الجهات المنظمة ، اضافة لمكان عقد "المؤتمر" الذي هو جامعة اليرموك، مضافا اليها كل تلك الممارسات الخطابية التي تم توثيقها في الموتمر، تضعنا كلها أمام لوحة سوريالية تنتمي لعالم اللامعقول الحزين الذي بتنا نعيشه، وبات على عقول من هم مثلنا أن يتكيفوا معه، وان يحافظوا على توازنهم العقلي والنفسي وهم يعايشون تفاصيله. وفي تفاصيل اللوحة السوريالية التي ارتسمت في مخليتي وانا اتلقى دعوة مركز دراسات المرأة في الجامعة، كما تفاصيل الخبر الذي بثتثة وكالة الانباء الاردنية بترا في تغطيتها عن "المؤتمر" يجدها القارئ والمحلل السياسي والباحث العلمي في نظام الهيئة التدريسية الذي صدر في منتصف العام 2025 ومثل اكبر بصمة وأثر تركهما الثنائي معالي رويدة المعايطة رئيسة مجلس الامناء حينها وعطوفة رئيس الجامعة في ذات الحين د. اسلام المساد. وللتذكير فان نظام الهيئة التدريسية واجه معارضة كبيرة من العاملين بالجامعة وخصوصا أنه صيغ في ظل توقيت تخضع الجامعة فيه لثنائي يحكم الجامعة وهو ينتمي مهنيا واداريا الى جامعات اخرى غيرها. في النظام رقم 40 لسنة 2025 الصادر بمقتضى المادة 35 من قانون الجامعات الاردنية رقم 18 لسنة 2018، تعثر عيناك على واحدة من اهم عناصر اللوحة السوريالية المتعلقة بموضوع المقالة هذه؛ فالمادة رقم 28 منه تقول: يلتزم عضو الهيئة التدريسية والمحاضر المتفرغ ومساعد البحث والتدريس بالتقيد باجكام القانون والانظمة والتعليمات والقرارات الصادرة بمقتضاه، ويحظر عليه القيام بأي مما يلي: أي نشاط حزبي أو سياسي أو طائفي أو اقليمي داخل الجامعة. يرسم نظام جامعة اليرموك الذي صدر قبل اشهر أي في ذروة الحديث عن التحديث السياسي وبعد سنوات من الجهود الدؤوبة على الارض ومن جهات كثيرة في اعلى مستويات الدولة الاردنية في الترويج للعمل الحزبي عنصرا كبيرا في المشهد السوريالي المتعلق بالاحزاب. فالقصر الملكي يشكل لجنة للتحديث السياسي ويجعل من العمل الحزبي ركنا هاما في مسار التحديث السياسي للبلاد، وفي موقع الاشراف المباشر على منظومة التحديث السياسي يتم تسمية دولة الرئيس سمير الرفاعي الذي تربطه بجامعة اليرموك علاقة تاريخية خاصة جدا، كما سبق للجامعة أن استضافته وخصوصا في فترة رئيسها السابق للحديث عن منظومة التحديث السياسي والحزبي، ولكن وبالتزامن يتم صياغة نظام لجامعة اليرموك يتناقض ويتعارض بل وينسف كل ما سبق من مؤشرات وقرارات وجهود. عقل دولة يقول بالحزبية والتحديث السياسي وعقل يدير جامعة يعارض التحديث والعمل الحزبي بل ويهدد ويتوعد من ينخرط بنشاط حزبي. ولا يكتمل الحديث عن السوريالية عن ذلك التناقض بين تنظيم مؤتمر من قبل مركز دراسات المرأة يشجع الحزبية والتحزب داخل جامعة اليرموك ونص قانوني لذات الجامعة يهدد بالويل والثبور وعظائم الامور لمن مارس نشاطا حزبيا من اساتذة الجامعة بل يتعداه إلى محتوى النص القانوني الذي يتحدث عن الحزبية ويحرمها: ففي النص يتم تصنيف النشاط الحزبي الى جانب النشاط السياسي والطائفي والاقليمي, وتلك كارثة علمية وقانونية واخلاقية. فأن يجمع النص القانوني العمل الحزبي الى حانب النشاط الطائفي والاقليمي فهو يجعلنا نطرح الكثير من الاسئلة حول الكيفية التي يدرك بها واضع النص معنى الحزب السياسي ومفهومه ودوره. فالنص يوحي وكأن الحزبية هي رديف وشبيه وشقيق للطائفية والاقليمية المقيتة، وهو أمر مناف لجوهر الحزب ومفهومه حتى وفق القانون الاردني للاحزاب. فاللغة التي تربط الحزبية بالاقليمية والطائفية تنتمي بالتأكيد لحقبة الاحكام العرفية وليس للعام 2025، وهي تنتمي لفضاءات السلطة السياسية والامنية ولا يمكن ان تنتمي للجامعات وعوالمها الحداثية والتحديثية. أجزم أن غياب العقل المتخصص في العلوم الاجتماعية والسياسية والانثروبولوجية عن صياغة النظام قد انتج فهما يرى في الحزبية شبيها بالطائفية والاقليمية ويعجز عن ادراك الحزب السياسي باعتباره النقيض التاريخي والعلمي والمنطقي والسياسي للعشائرية والطائفية والمناطقية والاقليمية. ولا يكتمل الحديث عن السوريالية ولا يصل لمنتهاه دون الاشارة الى ذلك التركيز على اسم المبادرة التي ترعى الحزبية وقام مركز الدراسات بتنظيم المؤتمر بالشراكة معها، واعني هنا مبادرة " يلا نتحزب...يلا نشارك". فاسم المبادرة لا يشبه مطلقا عالم الاكاديميا وعالم الدراسات وعالم البحوث العلمية التي لطالما ارتبط اسم الجامعات بها. فاسم المبادرة قد يليق بحملة على السوشال ميديا أو بحملة اعلانية على قناة تلفزيونية ولكنه لا ينسجم مطلقا مع اسم لمركز دراسات علمية ينبثق من جامعة وفضاء علمي وهو يذكرني بالعبارة المصرية الشهيرة "طب ما تيجي نيجي". كنت أتمنى لو أن الحدث المنعقد في الجامعة انطلق من دراسة علمية ضخمة قامت بها الجامعة او مركز الدراسات المعني، ويحتاجها المجتمع والدولة الاردنيين كثيرا تفكك وتشرح بتشديد الراء أسباب عزوف الاردنيين عن النشاط الحزبي في عمومه في مقابل ميلهم الشديد لتشكيل حزبي معين. ولتكون هذه الدراسة منطلقا للمدعووين كي يناقشوا نصا علميا تحليليا وتشريحيا يشرح الحزب السياسي فهما ومفهوما وادراكا في العقل الاردني في الاردني كما يرصده ويحلله على صعيد الممارسة العملية واقعا كما على صعيد الممارسة الخطابية الجمعية قولا. كنت أتمنى لو أن مديرة مركز دراسات المرأة التي تتولى كرسي الادارة منذ سنين وتم صياغة النص القانوني الذي يمنع العمل الحزبي قد ذكرتنا بنضالها ضد هذا البند القانوني حين كان يتم صياغة هذا النص القانوني وخصوصا انها تبنت مبادرات عدة لدعم النشاط الحزبي في الجامعة. وكنت اتمنى لو ان المشاركين في المؤتمر ناقشوا الدور السلبي لنص قانوني جامعي في اعاقة النشاط الحزبي وقبل أن يتم دعوة المجتمع المحلي والمجتمع الاردني الكبير للانخراط بالعمل الحزبي. .