ترامب يُهين ماكرون ويفضح “مجلس السلام”: حين يتحوّل السلام إلى صفقة والرسوم إلى عصا #عاجل

كتب زياد فرحان المجالي - في زمن دونالد ترامب، لا تندهش إن سمعت كلمة "سلام” تخرج من فم رئيس… ثم تراها تتحوّل في اليوم نفسه إلى تهديد جمركي، وإهانة سياسية، وعقوبة اقتصادية. لأن "السلام” عند ترامب ليس قيمة، ولا مشروع استقرار، ولا حتى سياسة خارجية بمعناها التقليدي… السلام عنده "منتج”، ومن لا يشتري المنتج يُهان. وهذا بالضبط ما جرى مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حين رفض الانضمام إلى ما يسمّيه ترامب "مجلس السلام”، فجاء الرد الأميركي لا كخلاف بين حلفاء، بل كصفعة علنية: "لا أحد يريده”. ثم أتبعتها واشنطن بما هو أخطر: سلاح الرسوم الجمركية على المنتجات الفرنسية، وعلى رأسها النبيذ والشمبانيا… وكأن فرنسا ليست دولة مؤسسة في الاتحاد الأوروبي، بل متجر صغير يرفض الانصياع لشروط "الزعيم” فيُعاقَب على مرأى العالم. هنا لا نتحدث عن غضبة رئيس، بل عن عقيدة حكم كاملة: من يرفض "سلامي”… أدوس على اقتصاده. ومن لا يدخل "مجلسي”… أُسقط هيبته. ومن يطالب باستقلال القرار… أدفعه ثمنًا مضاعفًا. "مجلس السلام”… الاسم الجميل لشيء قبيح دعونا لا نُخدع بالمسمّى. "مجلس السلام” يبدو كأنه فكرة إنسانية مُبهرة؛ غرفة عقل عالمية توقف الحروب وتداوي الجراح. لكن الحقيقة أبرد من ذلك بكثير: "مجلس السلام” في النسخة الترامبية ليس مجلسًا للسلام… بل مجلس إذعان. مجلس يُراد له أن يقرر "اليوم التالي” لغزة، لا أن ينقذ غزة. مجلس يُراد له أن ينظّم "ما بعد الدمار”، لا أن يوقف الدمار. مجلس يُراد له أن يمنح شرعية سياسية لمن دمّر، ثم يطلب من الآخرين أن يدفعوا فاتورة الدمار… "مقابل كرسي”. وهنا تحديدًا تظهر الحقيقة الفاضحة: نحن لا نقف أمام مشروع سلام… بل أمام مشروع تأجير سياسي. غزة تُحوَّل إلى عقد استثمار، والعضوية الدولية تُحوَّل إلى اشتراك مدفوع، والقرار السياسي يصبح "مقعدًا مقابل مليار”، وكأن العالم في مؤتمر مبيعات، لا في قضية شعب تحت الأنقاض. في هذه اللحظة، ماكرون لم يرفض "السلام”، بل رفض أن يوقّع على طاولة تُدار كالكازينو: ادفع أولًا… ثم نتكرّم عليك بعضوية. لماذا صُفع ماكرون؟ لأنه قال "لا” في السياسة… كلمة "لا” ليست كلمة. كلمة "لا” هي اختبار قوة. وحين قال ماكرون "لا” — سواء بدافع مبدئي أو بدافع حسابات فرنسية داخلية — كان يفترض بمنطق التحالف التقليدي أن تأتي واشنطن لتفاوض، لتشرح، لتقنع… لا لتُهين. لكننا لسنا في زمن التحالفات، بل في زمن "البلطجة السياسية”. ترامب لا يرى أوروبا شريكًا… بل يرى أوروبا "محفظة”. وماكرون في نظره ليس رئيس دولة… بل موظف يحتاج "تأديبًا” حتى يعود للصف. وهكذا جاءت الإهانة العلنية: "لا أحد يريده”. هل هناك رسالة أوضح من ذلك؟ البيت الأبيض يقول لفرنسا: "لا تتصرفي كدولة… تصرفي كتابع”. الرسوم الجمركية… سلاح إذلال لا سلاح تجارة الأخطر من الإهانة ليست الجملة… بل ما بعدها. ترامب لم يكتفِ بالضجيج. انتقل فورًا إلى العقاب الاقتصادي. وهنا تتحول القصة من تصريح إلى سياسة: الرسوم الجمركية على النبيذ والشمبانيا ليست قرارًا تجاريًا بحتًا، بل إطلاق نار سياسي على رمز فرنسي واضح. الشمبانيا ليست مجرد مشروب. إنها "ماركة سيادية” فرنسية. هوية. اقتصاد. سوق. تاريخ. وعندما يهدد ترامب بفرض رسوم قاسية، فهو لا يهدد منتجًا… بل يهدد كرامة دولة. ومن يقرأ عقل ترامب يعرف أنه لا يختار أهدافه عبثًا: هو يختار ما يوجع، ما يُشعِر فرنسا أنها مكشوفة، وأن اقتصادها قابل للركوع. باختصار: ترامب لا يعاقب فرنسا لأنها أخطأت… بل يعاقبها لأنها جرّبت الاستقلال. فرنسا في المرآة: هل بقي من أوروبا شيء؟ هذه الأزمة لا تخص ماكرون وحده. هي اختبار لأوروبا كلها. فأوروبا اليوم تعيش مأزقًا ثلاثيًّا: أمنها مربوط بالناتو والولايات المتحدة اقتصادها ينزف تحت ضغوط عالمية وأزمات طاقة وحدتها السياسية مهزوزة وفي مثل هذه الظروف، يأتي ترامب ليقول لها: "إما أن تدخلوا في مشروعي… أو أعاملكم كخصوم.” وهنا يجب أن نطرح السؤال المرعب: هل بقي في أوروبا ما يكفي من الشجاعة لتقول "لا”؟ أم أنها ستصمت خوفًا على صادراتها وأسواقها؟ إن رضخت فرنسا اليوم، فلن تكون فرنسا التي عرفناها. ستكون مجرد توقيع تحت ضغط الرسوم. وسيكون ماكرون مجرد زعيم يُساق إلى الطاولة مثل طفل يُعاقَب. غزة في قلب الابتزاز: المال أولًا… ثم "السلام” المفارقة القاتلة أن غزة في هذه المسرحية ليست هدفًا للإنقاذ… بل أداة ابتزاز دولي. ترامب لا يعرض "سلامًا” بلا ثمن… بل يعرض اشتراكًا سياسيًا: ادفعوا… تحصلوا على مقعد. ادفعوا… تدخلوا النادي. ادفعوا… تصبحون شركاء في "اليوم التالي”. لكن ماذا عن غزة نفسها؟ من يوقف القتل؟ من يرفع الحصار؟ من يعيد للفلسطيني حقه؟ لا أحد. لأن المشروع لا يبدأ من العدالة، بل يبدأ من المال. وحين يبدأ "السلام” من المال… فاعرف أنه ليس سلامًا بل صفقة قذرة. لماذا يخاف ترامب من الرفض الفرنسي؟ لأن الرفض الفرنسي يسقط القناع. إذا رفضت فرنسا، فسيظهر أن "مجلس السلام” ليس إجماعًا دوليًا… بل قرار أميركي يريد فرضه. إذا رفضت فرنسا، سيظهر أن أوروبا ليست على قلب واحد. إذا رفضت فرنسا، سيظهر أن ترامب يعرض "السلام” كسلعة لا كمبدأ. لهذا كان الرد عنيفًا، فضائحيًا، متعمدًا. ترامب أراد أن يجعل من ماكرون "مثالًا” للآخرين: من يرفض… يُهان. ترامب لا يريد حلفاء… يريد تابعين هذه هي الجملة التي يجب أن تُكتب على باب البيت الأبيض في زمن ترامب: الحليف في قاموس ترامب ليس شريكًا… الحليف زبون. الزبون يدفع. الزبون يطيع. الزبون لا يناقش. وإذا ناقش، تُرفع الأسعار عليه. وإذا رفض، يُعاقَب. وإذا احتجّ، يُهان. هذا ليس تحالفًا… هذه إمبراطورية ابتزاز. ماكرون… هل يُقاوم أم يتراجع؟ أمام فرنسا اليوم خياران لا ثالث لهما: إما أن تصمد وتقول: "لسنا تابعين… وغزة ليست متجرًا… والسلام ليس كرسياً مدفوعًا.” أو تتراجع وتدخل المجلس بصيغة "النجاة الاقتصادية”، وحينها ستفقد أوروبا آخر ما تبقّى لها من معنى. هنا المعركة ليست على الشمبانيا… بل على السيادة. خاتمة صادمة (ترند) ترامب لم يُهِن ماكرون لأنه يكره فرنسا… بل لأنه يريد أوروبا "على المقاس”: تدفع بصمت… وتصفّق بصوتٍ عالٍ. وفي زمنٍ صار السلام فيه "اشتراكًا مدفوعًا”… اعرف أن غزة لا تُراد لها حياة… بل تُراد لها إدارة. .