قبل أن يصل مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي إلى قبة البرلمان، وقبل أن تبدأ المداخلات والتصويت، كان الشارع قد بدأ نقاشه الخاص. حالة القلق التي ظهرت ليست حملة عاطفية، ولا سوء فهم جماعي للنصوص، بل انعكاس مباشر لحساسية أي مساس بقانون يرتبط بلقمة الناس وشيخوختهم وكرامتهم بعد سنوات العمل. الضمان الاجتماعي ليس قانوناً عادياً يمكن التعامل معه كأي ملف إداري. هو عقد مالي واجتماعي طويل الأمد بين المواطن والدولة، تُقتطع بموجبه نسب إلزامية من دخل العامل مقابل وعدٍ بالأمان عند المرض أو العجز أو التقاعد. وعندما يُفتح هذا العقد للتعديل، فمن الطبيعي أن يُفتح معه باب التساؤل، بل والقلق. الأرقام التي تُطرح في التعديلات قد تبدو تقنية للمتخصصين، لكن أثرها سياسي واجتماعي بامتياز. الحديث عن نسب اشتراكات، وعن آليات احتساب، وعن شروط دقيقة للتقاعد المبكر في المهن الخطرة، لا يُقرأ في الشارع بلغة الجداول، بل بلغة الخوف من أن يكون المستقبل أقل استقراراً مما كان يُفترض. تخصيص ما لا يزيد عن 1% من فائض اشتراكات إصابات العمل لبرامج السلامة والصحة المهنية خطوة تحمل بُعداً إيجابياً من حيث المبدأ، لكن ربط السلامة المهنية بفائض سنوي يثير سؤالاً مشروعاً: هل تُدار حقوق العامل الأساسية ضمن منطق الفوائض، أم ضمن منطق الأولويات الثابتة؟ السلامة ليست تحسيناً اختيارياً، بل حقاً أصيلاً في أي بيئة عمل. التعديلات المتعلقة بتمديد مدة تقديم طلب "الانتكاسة" إلى سنتين، والسماح بإعادة النظر في نسبة العجز، تعكس محاولة لمعالجة ثغرات إجرائية، إلا أن التجربة السابقة علّمت الناس أن المشكلة ليست دائماً في النص، بل في التطبيق. طول الإجراءات وتعقيد اللجان الطبية كانا محل انتقاد لسنوات، وبالتالي فإن أي تطوير يجب أن يُقاس بمدى تبسيط المسار، لا فقط بزيادة المدة الزمنية. وفي ملف التقاعد المبكر للعاملين في المهن الخطرة، تحديد سن خمسين عاماً و300 اشتراك، منها 120 اشتراكاً في المهن الخطرة ضمن آخر 132 اشتراكاً، يفتح نقاشاً حول فلسفة العدالة في التعامل مع من استنزفتهم طبيعة العمل. الخطر المهني لا يُختزل في آخر سنوات الاشتراك فقط، بل في مسار مهني كامل قد يترك أثراً مبكراً على الجسد والصحة. أما تشديد الغرامات على المنشآت غير الملتزمة أو التي تصرّح بأجور غير حقيقية، فهو مطلب طال انتظاره، لكن منح فترة لتصويب الأوضاع دون غرامات حتى نهاية 2026 يجعل الرأي العام يتساءل عن توازن الحزم بين الأطراف المختلفة في معادلة الضمان. الاعتراضات الشعبية حتى الآن لا تعني رفضاً مطلقاً لفكرة التطوير، بل تعكس فجوة ثقة متراكمة. الناس لا تعترض على التنظيم، لكنها تخشى أن ينتهي كل تعديل إلى نتيجة واحدة: تحميل الفرد كلفة اختلالات أكبر من قدرته. المطلوب قبل أي تصويت ليس فقط شرح المواد القانونية، بل فتح نقاش شفاف حول الرؤية الكاملة لإدارة أموال الضمان واستثماراته واستدامته. الثقة لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل بالشعور بأن القرار يُصاغ بالشراكة مع المجتمع، لا بمعزل عنه. مشروع القانون ما يزال في مرحلة ما قبل النقاش البرلماني، وهذه لحظة نادرة يمكن أن تتحول من إجراء تشريعي عادي إلى فرصة لإعادة ضبط ميزان العلاقة بين الدولة والمواطن. فالقضية لم تعد مجرد نسب اشتراك أو شروط تقاعد، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لميزان القرب: كم تقترب الدولة من هموم الناس قبل أن تقرر؟ وكم يقترب القرار من واقع العامل قبل أن يُصاغ؟ الضمان الاجتماعي في جوهره ليس صندوق أرقام، بل مساحة ثقة. وإذا اختلّ ميزان القرب بين النص القانوني ونبض الشارع، فإن أي تعديل، مهما كان محكماً من الناحية الفنية، سيبقى ناقصاً في نظر الناس. ربما ما نحتاجه اليوم ليس فقط تعديلاً في المواد، بل مراجعة في طريقة صناعة القرار نفسها. لأن كل قانون يُمسّ حياة الناس يفتح صفحة جديدة في العلاقة بينهم وبين الدولة. والسؤال الحقيقي ليس فقط كيف ستُكتب هذه الصفحة، بل هل ستُغلق سريعاً دون نقاش عميق… أم سنتركها مفتوحة بما يكفي ليُكتب فيها صوت المواطن بوضوح؟ فالضمان، في النهاية، ليس اختبار قدرة مالية فقط، بل اختبار قرب. ومن لا يحسن قراءة ميزان القرب، قد يجد نفسه أمام صفحة تركها مفتوحة، لكنها لم تعد كما كانت. .