رمضانيات (٢) … الصيام في جوهره العميق عبادة تختلف عن بقية العبادات، لذلك جاء الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه) رواه البخاري ومسلم. ذلك انه لا يعلم بحقيقة كونك صائما إلا الله سبحانه وتعالى، فالتظاهر به امام الآخرين. يعد صيام رمضان من العبادات التي استفرد بها الإسلام عن بقية الرسالات السابقة، فالصلاة بمختلف اشكالها والحج لمكان مقصود كذلك تكررت في اكثر من دين سابق. للصيام دور مهم في تحرير الارادة، ومغالبة الشهوة ومنها الإمساك عن الطعام والشراب طوعا، فهو أمر عظيم، يعبر عن تحرر الارادة من حالة الضعف الانسانية، فهو تمرين عملي على ضبط النفس ومنعها من تلبية حاجاتها ورغباتها وفق منهج محدد. ويعد هذا جهادا للنفس يعوّدها الصبر والتحمل، ويعلي من قوة الإرادة، ويعدها المسلم لمواجهة صعوبات الحياة، ويقوبها لتحمل الرسالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. من الدلائل المهمة ان كثيرا من معارك المسلمين الكبرى كانت في رمضان؛ فهذة معركة بدر الكبرى في ١٧ رمضان من العام الثاني للهجرة، ومعركة احد بعد رمضان مباشرة في ٧ شوال من العام الثالث للهجرة. وكان فتح مكة في ٢٠ رمضان من العام الثامن للهجرة، ومعركة القادسية، كانت في رمضان سنة خمس عشر للهجرة، وفتح بلاد الأندلس، كان في رمضان سنة 92، ومعركة الزلاقة في إسبانيا في سنة 479، وموقعة حطين، كانت في رمضان سنة 584، ومعركة عين جالوت كانت في رمضان سنة 685 للهجرة. شهر رمضان فرصة لتدريب النفس على أمور كثيرة، فمن دربها على ترك الحلال المباح، لهو اقدر على ترك الحرام من العادات المختلفة؛ فهو فرصة للمدخنين ان يقلعوا عنه، فلا يعقل انه من استطاع منعها عن الحلال وعن التدخين لمدة قد تصل إلى ١٥ ساعة احيانا إلا يكون قادرا على منعها عن التدخين- وهو حرام عند اكثر الفقهاء- بقية ساعات قليلة. ومن اراد التخلص من الوزن الزائد فرمضان فرصة مناسبة جدا لضبط ذلك بشكل ممتاز. وهناك سلوكيات اخرى متعلقة بآفات اللسان، كثيرون ينجحون في الصيام ان يضبطوها امتثالا للحديث الشريف (… فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم … ). الاهم من كل ذلك تحقيق مراد الصيام وهو التقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وهي الاهم إبتداءاً في تحرير الإرادة من كل عناصر الضعف. لذلك نجد ارتباط علو الهمة والعزيمة بارتفاع منسوب التقوى، ومن مظاهر التقوى الخوف من الله وعدم الخوف من عوالق الدنيا وتهديدات البشر، لذلك نجد المجاهدين من اكثر الناس تقى، كيف لا وهم يجودون بارواحهم في سبيل الله، وهم من اكثر الناس تحررا من الدنيا وعلوا للإرادة. لدينا فرصة عظيمة في ايام معدودات لندرب انفسنا على اكتساب سلوكيات ومهارات جديدة واستدامتها بعد رمضان، ومن أبرزها المحافظة على صلاة الجماعة وقراءة القرآن، كما لدينا فرصة كبيرة للاقلاع عن سلوكيات سلبية كثيرة، ومنها التدخين والغضب وغيرها كثير. فلا تفوتنا هذه الفرص، وتقبل الله صيامكم وطاعتكم ووفقكم لتحقيق مراد التقوى وتحرير الارادة. .