كيف يصوم المسلمون في بلاد قد لا تغيب فيها الشمس؟

في أقصى شمال الكرة الأرضية، حيث تتداخل الفصول وتختلف موازين الزمن التقليدية، يواجه المسلمون اختبارا فريدا من نوعه كلما حل شهر رمضان في فصل الصيف، ففي مدن مثل "كيرونا" السويدية، أو "ترومسو" النرويجية، أو أجزاء من كندا وآلاسكا، لا تغيب الشمس وتظل ساطعة في كبد السماء، وفي المناطق الواقعة شمال الدائرة القطبية، تمر أسابيع لا تغيب فيها الشمس وهو ما يضع الجالية المسلمة أمام إشكالية فقهية وجسدية؛ فإذا اعتمدوا على الرؤية البصرية المباشرة، فمعنى ذلك أن عليهم الصيام لعدة أشهر متواصلة دون إفطار، وهو أمر مستحيل شرعا وعقلا. ونظرا لقلة عدد المسلمين وتباعد المسافات في تلك البلاد، تصبح "موائد الإفطار الجماعية" في المراكز الإسلامية هي المتنفس الوحيد، فيجتمع هناك المهاجرون من شتى بقاع الأرض، يتقاسمون التمر واللبن في وقت تكون فيه شوارع المدن هادئة تماما، والناس من حولهم يمارسون حياتهم المعتادة. ومن المؤكد أن تجربة الصيام في شمال الكرة الأرضية هي برهان حي على مرونة الإسلام وقدرته على التكيف مع أقسى الظروف الجغرافية، فهناك، يدرك الصائم أن الصيام ليس مجرد انقطاع عن الطعام والشراب، بل هو حالة ذهنية وروحية تتجاوز شروق الشمس وغروبها، ليستقر في الوجدان بأن العبادة تؤدى أينما وجد الإنسان، وبأيسر السبل التي تحفظ الجسد والنفس والروح. وقال الدكتور محمد الشعار مدير المعهد الفنلندي للغة العربية وعلوم الإسلام وإمام الرابطة الإسلامية في هلسنكي في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ إن أكثر ما يقوم به المسلمون في بلاد الشمال استعدادا لشهر رمضان، هو تنظيم أوقات العمل حتى يتسنى لهم أداء الصلوات في أوقاتها، لاسيما صلاة التراويح. وأضاف أن المراكز الإسلامية هناك تعمل على توفير إمام أو أئمة من أجل صلاتي التراويح والتهجد ولإعطاء الدروس ما بين الصلوات، وتعنى بعض المراكز بتنظيم إفطار طول الشهر أو في بعض أيامه. وعن تحديد وقت بداية الصيام والإمساك وموعد الإفطار في الشهر الفضيل، قال الدكتور الشعار، إن هذا يتعلق بالفتوى المعتمدة في هذا الشأن، ففي المناطق التي لا تغيب فيها الشمس أو لا تظهر لأيام أو شهورـ فالصوم فيها على أقرب مكان لهم فيه شروق وغروب، أو الصوم على مكة المكرمة مثلا إعمالا لقاعدة "المشقة تجلب التيسير"، غير أن المشكلة أو الإشكال ليس في هذه الأماكن، فهذه لا يكاد يسكن فيها مسلم، ولكن الإشكال ينشأ في الأماكن التي يطول فيها النهار جدا، والليل فيها يتراوح من دقائق إلى سويعات، فهل يصوم الناس حسب الغروب والشروق أم على بلاد أخرى مثل مكة أو بلادهم الأصلية؟ وأوضح أنه في السابق كان هذا محل خلاف كبير بين المسلمين حتى في البيت الواحد، لكن الصيام حاليا يكون حسب الغروب والشروق المحلي، فمن لم يستطع فعدة من أيام أخر، وقد ساعد على تبني هذا الرأي وانتشاره قصر نهار رمضان تدريجيا مع وقوعه في الشتاء أو قريبا منه. وعن العبادات الأخرى المرتبطة بالصيام، مثل صلاة التراويح والسحور، في ظل غياب الليل الطبيعي أو قصره الشديد، قال الدكتور الشعار إن قصر الليل يؤثر في صلاة التراويح، المعلم الأبرز في رمضان، فتقصر جدا مع الاحتفاظ بعدد الركعات، كما يؤثر في تناول السحور من جهتين، جهة الشبع من الإفطار الذي لم يمض عليه كثير، وجهة أن الوقت ضيق بسبب حلول صلاة الفجر، وفي تلك الأوقات يصلى الناس المغرب والعشاء والفجر في غضون دقائق أو سويعات حسب القرب من القطب. وأكد الدكتور الشعار في تصريحه لـ "قنا " أن لرمضان روحه الخاصة التي لم تفارق المسلمين حيثما حلوا، فما زالت الأسر في بلاد الشمال حريصة على دعوة بعضهم البعض للإفطار، وكذلك تنظيم دعوات عامة للإفطار في المساجد، والتصدق للمراكز الإسلامية بطعام أو أموال لإفطار الصائمين. أما الظروف المناخية فلا تكاد تؤثر في شيء نظرا لقوة البنية التحتية لهذه البلاد من توفير المواصلات وتمهيد الطرق والتدفئة. وأوضح أن تنظيم أوقات العمل والدراسة هو التحدي الأكبر بالفعل، لاسيما على المسلمين الجدد، فالسهر حتى موعد الإفطار قرب منتصف الليل ثم صلاة العشاء والتراويح فالفجر بلا فاصل تقريبا، يقلب نمط الحياة كله، ناهيك عن التعب والضعف اللذين يصيبان الصائم بعيد العصر إلى المغرب، كل هذا مع الالتزام بمواعيد العمل والدراسة في بلاد لا تعرف رمضان ولا الصوم، يسبب مشقة على المسلمين لا يعينهم عليها إلا طلب الأجر من الله، أما الوجه الآخر للمشكلة فيكمن في التلامذة الصغار في المدارس حيث يصعب عمليا وقانونا أمرهم بالصيام أو تدريبهم عليه، حيث تقدم لهم وجبات ولابد أن يأكلوا. بدروه، لفت الدكتور عثمان طوالبه الكاتب والباحث في قضايا المسلمين في الغرب، في تصريح مماثل لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ إنه في أقصى شمال السويد، أي في المناطق الواقعة شمال الدائرة القطبية الشمالية، تقع ظاهرتان فريدتان في العالم؛ الأولى صيفا، حيث لا تغرب شمسه لعدة أسابيع متواصلة، فيما يعرف بشمس منتصف الليل، فتغمر المناطق بالنهار الدائم وتختفي ظلال الليل تقريبا، أما الظاهرة الثانية فهي في الشتاء، حيث يطول الليل بشكل كبير وقد تغيب شمسه تماما لفترة ممتدة، فيما يسمى بالليل القطبي، فيختفي الضوء الطبيعي لساعات طويلة، ويعيش السكان والأحياء فترة من الظلام شبه الدائم، وفي مثل هذه الحالات يتم القياس على الأوقات المعتدلة لهذه المناطق خلال السنة، والمراد بالأوقات المعتدلة هي الفترات التي يتساوى فيها طول الليل والنهار في تلك المناطق، بحيث يختلف توقيت هذه الفترات من منطقة إلى أخرى بحسب موقعها الجغرافي الدقيق. وأضاف الدكتور طوالبه أن شهر رمضان في السويد هذا العام يأتي في فصلي الشتاء والربيع، فتقع العشر الأول منه في الشتاء، بينما تمتد بقيته في الربيع، ويمتاز الشتاء في السويد بقِصَر النهار وبرودة الجو، حيث لا يشعر الصائم بالجوع أو العطش، وأما الليل فهو طويل يمنح الصائم فسحة للراحة والقيام والتهجد، وأمّا الربيع فنهاره أطول قليلًا ويميل للبرودة، ما يسهل الصيام فيه بلا مشقّة، ويبلغ متوسط ساعات الصيام قرابة 11 ساعة و45 دقيقة، مع فروقات حسب المنطقة الجغرافية لكل مدينة. وأكد أن الشهر الفضيل هو شهر الهمة والنشاط والعبادة، حيث يحرص المسلمون في السويد على أداء عباداتهم مع الاستمرار في حياتهم اليومية بكل انتظام، من عمل ودراسة وغير ذلك، ويُعد الصيام في فصلي الشتاء والربيع غنيمة، تتيح لهم التوازن بين متطلبات العبادة خلال رمضان ومتطلبات حياتهم اليومية، ليعيشوا الشهر الفضيل بإيمان واجتهاد وتناغم مع حياتهم العادية. وأوضح أن الطبيعة السويدية والهدوء العميق الذي يحيط بالمرء هناك يخلقان أجواء روحانية فريدة خلال رمضان، حيث تساعد هذه السكينة على التأمل والتدبر في معاني الصيام والعبادة بشكل أعمق، بعيدًا عن صخب الحياة اليومية. وأضاف أن المسلمين في السويد يسعون لإحياء أجواء رمضان معا، بما يعكس روح الشهر الفضيل، رغم كونهم أقلية دينية، حيث تمتلئ المساجد بالمصلين من مختلف الجنسيات لأداء صلاة التراويح، كما تُنظم الإفطارات الجماعية والمجالس العلمية التي تشمل الدروس والمحاضرات والفتاوى، وتحرص المراكز الإسلامية والمحلات العربية والإسلامية على تزيين أماكنها بزينة رمضان والفوانيس الرمضانية، وتتوفر المواد الغذائية التقليدية مثل التمر والحلويات العربية، لتضفي جوًا رمضانيًا مألوفًا للمسلمين المقيمين في السويد، الأمر الذي يضفى شعورا جماعيا بروحانية الشهر ويحقق المواساة والتعاضد ويخفف من آلام الغربة وتحدياتها. وحول صيام المسلمين في المناطق القطبية، أشار الشيخ جمال حمود كبير أئمة مقاطعة البرتا الكندية، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية" قنا" إلى أنه لا توجد في كندا مناطق قطبية إلا منطقة واحدة بعيدة جدا ونائية، وقال إننا غالبا في الشريعة الإسلامية نقيس على أقرب مدينة لهذه المنطقة التي فيها نهار دائم أو ليل دائم، ويشترط أن تكون مدة النهار في الشتاء ما تصلى فيه الأوقات أي المدينة التي تؤدى فيها خمس أوقات، وأما بالنسبة لليل فيشترط في تلك المدينة أن يؤذن للمغرب ويصلى المغرب ومدة الإفطار، ويصلى العشاء يعني هذه قرابة ساعتين، فمثل هذه المدينة يقاس عليها، أما إذا كان الوقت أقصر من ذلك فيقاس على أبعد منها، أي مدينة فيها حياة طبيعية وفيها ليل ونهار وتؤدى فيها صلوات الليل وصلوات النهار، فهي مسألة قياس ويحدد الصيام بناء على هذه المدينة المجاورة التي فيها ليل ونهار وتؤدى فيها الصلوات على وقتها. وأضاف أنه بالنسبة للصلوات، غالبا إذا كان الليل قصيراً فيجمع المغرب والعشاء وتؤدى التراويح فقط سنة ولو بركعتين، فليس بالضرورة أن تؤدى عشرون ركعة، وعندما يكون النهار قصيرا تجمع صلوات النهار، فالجمع وارد في الشريعة الإسلامية، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير مطر ولا وحل ولا برد ولا ثلج، فمن باب أولى عندما يكون الحرج سواء بقصر الوقت أو حرج البرد أو حرج السفر، فكل هذا يسمى في الدين حرج، والله تعالى يقول: "ما جعل عليكم في الدين من حرج "، فعندما يقصر النهار تجمع صلواته، وعندما يقصر الليل تجمع صلواته. ونوه الشيخ حمود في حديثه لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إلى أن رمضان في كندا يأتي هذا العام في مرحلة متوسطة، لا هي مع قصر الشتاء ولا مع طول الصيف، وإنما حالة من الاعتدال، مشيرا إلى أن الإمساك صباحا في أول رمضان سيكون عند الساعة الخامسة وخمس وأربعين دقيقة، والإفطار سيكون قرابة الساعة السادسة، وستكون مدة الصيام في مدينة كالجاري البرتا إحدى عشرة ساعة. وأوضح كبير أئمة مقاطعة البرتا الكندية، أن الجاليات الإسلامية أصبحت الآن كبيرة، ولكن كلما كانت أصغر كلما كانت موحدة أكثر وفيها جو روحاني، والمسجد هو كل شيء في حياة المسلمين في الغرب، فالمسجد هو البرلمان، وهو المدرسة، وهو مكان الصلاة، والمسجد هو مكان اللقاء، والإفطارات الجماعية تكون في المساجد وفي قاعات المساجد، وفيها أجواء روحانية عالية جدا قد تكاد تفوق الروحانيات في البلاد العربية. وعن التحديات التي يواجهها المسلمون في رمضان في الدول الغربية، فقد أكد الشيخ جمال حمود أن الحكومات والمسؤولين في بلاد الغرب، بدؤوا يهنئون المسلمين بالعيد ويهنئونهم بدخول رمضان، وكثير من المسؤولين يفطرون مع المسلمين في المساجد، وهناك كثير من المراكز التي يعمل فيها المسلمون، يعطونهم ساعات في النهار أو برنامجا خاصا للمسلمين، فبعض المؤسسات وليس كلها تتعاون والمدارس كذلك، وأيضا في أيام العيد يعطون يوما أو يومين زيادة في العيد، فهم يتعاونون مع المسلمين لأن الجالية الإسلامية أصبحت مترامية الأطراف، فوجود العامل المسلم في المؤسسة مهم، فيحافظون عليه وعلى مشاعره، وكذلك وجوده في عالم السياسة والاقتصاد أيضا مهم وأصوات المسلمين مهمة، ولذلك يوجد تعاون في كثير من المؤسسات الاقتصادية والسياسية مراعاة لصيام المسلمين شهر رمضان.