طبول “المسحّر” تعيد صدى الزمن الجميل

مع اقتراب موعد السحور، يجوب المسحّر أزقة الأحياء قبل أذان الفجر، حاملا طبلته وصوته المميز لإيقاظ الأهالي وتذكيرهم بموعد السحور. ويُعد هذا التقليد من أبرز مظاهر شهر رمضان؛ إذ يمتد تاريخه إلى عصور مبكرة من الحضارة الإسلامية، حين كان المؤذنون، ومنهم بلال بن رباح، ينادون الناس قبل الفجر. [instagram link=https://www.instagram.com/p/DVBt7STD1F9/] وعلى رغم انتشار المنبهات والهواتف الذكية، ما يزال بعض المسحّرين يحافظون على حضورهم في الأحياء القديمة، مستندين إلى تفاعل الأهالي وحرصهم على إبقاء هذه العادة حيّة. ويؤكد عدد من السكان أن صوت المسحّر يمنح الشهر أجواء روحانية خاصة ويعزز روح الترابط الاجتماعي بين أفراد المجتمع. وفي هذا الصدد التقت “البلاد” بالمسحر ياسر السماك، الذي أوضح أنه محافظ على هذا التراث منذ نحو 35 عاما، موضحا أنه التزم بهذه المهنة بعد من سبقوه فيها، واستمر مع مجموعة من الشباب في إحيائها بين الأحياء؛ إيمانا منه بثوابها العظيم وأهميتها التراثية ودورها في إدخال البهجة على الأهالي، ولإبقاء هذا الموروث الشعبي حيّا خلال ليالي شهر رمضان. وأكد السماك في حديثه أنه لا ينام إلا بعد الانتهاء من إيقاظ الناس للسحور؛ إذ يبدأ بندائهم قبيل الفجر، وبعد أن يوقظ الأهالي يتسحر ثم يخلد للراحة. وأشار السماك إلى أن وجود المنبهات والهواتف لم يلغِ دور المسحر، مبينا أن هذه العادة متوارثة وتحمل قيمة تراثية وروحية، ويرى فيها القائمون عليها أجرا وثوابا كبيرين. وأوضح أن تفاعل الأهالي ما يزال حاضرا، خصوصا في المناطق التي ينادي فيها مثل طشان والخميس والبلاد القديم، حيث يلمس تجاوب الناس وسعادتهم بهذه الأجواء، كما بيّن أن المسحرين قديما كانوا يرددون قصيدة واحدة فقط، بينما اليوم أصبحت القصائد أكثر تنوعا؛ إذ تتضمن مواعظ وإشادات ومواقف اجتماعية، حتى باتت تغطي مختلف الموضوعات. وأكد ان بدايته في إحياء هذا التراث تعود إلى قبل سنوات، حينما كان هناك مسحر في المنطقة يُدعى حجي أحمد، ترك المهنة، ثم تولى بعده زوج ابنته حجي إبراهيم إحياؤها، وبعد مغادرة الأخير للمنطقة التزم السماك بالمهنة مع مجموعة من الشباب، ليواصلها لما يقارب 35 عاما، موضحا أن الأطفال يشاركون أحيانا في الجولات، خصوصا في عطلة نهاية الأسبوع، إذ يقبلون بكثرة ويرغب كل منهم في حمل الطبل، مبينا أنهم يدركون أهمية هذا التراث بعد توعيتهم من قبل المسحرين وأهاليهم. واستذكر السماك مواقف لا تُنسى خلال مسيرته، منها أن بعض البيوت كانت تقدم لهم وجبة السحور، كما استعاد ذكرى بيت حجي أحمد قربان، رحمه الله، الذي كان يخرج لهم صينية طعام كل ليلة طوال الشهر، تضم أطباقا شعبية مثل الهريس واللقيمات والمهلبية و “الكاستر”، في مشهد يعكس كرم الأهالي وتقديرهم للمسحر. وأكد السماك أن شهر رمضان من دون مسحر يبدو ناقصا في نظره، عادّا حضوره جزءا أصيلا من أجواء الشهر. من جانبه، أوضح أحمد عبدالرسول، وهو مسحر آخر يرافق ياسر السماك، أنه منذ صغره كان ينتظر خروج المسحر ويحرص على متابعته، بل كان يخرج معه في الجولات حتى يعود إلى المنزل، مشيرا إلى أن القصائد قديما لم تكن تتضمن مواعظ كما هو الحال اليوم، إذ أصبحت أكثر تنوعا ومضمونا.