يُعد «مدفع رمضان» من أبرز العادات التي ارتبطت بالشهر الفضيل عبر القرون، إذ تنطلق أولى طلقاته الصوتية مع أذان المغرب إيذاناً بموعد الإفطار، حاملةً معها عبق الذكريات وصدى التاريخ الذي تجاوز حدود الزمان والمكان. ومع كل انطلاقة، يتجدد المشهد الذي يجمع بين الروحانية والفرح، في تقليد رمضاني توارثته أجيال متعاقبة في مختلف الدول الإسلامية، ومن بينها دولة قطر التي حرصت على إبقاء هذا الموروث حاضراً في وجدان المجتمع. وفي قطر، تتجلى صورة المدفع قبيل الغروب بدقائق، حين يتجمع الصائمون من الكبار والصغار حول موقعه في أجواء يختلط فيها الترقب بالبهجة، كما يحرص عدد من المقيمين والزوار على متابعة هذا المشهد لاستكشاف جانب من روحانيات الشهر الكريم. وفي السابق كان يتم نصب مدفع رمضان في عدد من المناطق مثل قلعة الكوت بجانب مصلى العيد بالجسرة ومنطقة السلطة القديمة ومنطقة الريان الجديد ومنطقة الخليفات، وتحرص الجهات المعنية على تنظيم مواقع المدفع في أماكن بارزة، سواء بالقرب من المساجد الكبرى مثل مسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب أو في الساحات المفتوحة مثل الحي الثقافي كتارا، أو في الأماكن التراثية مثل سوق واقف بما يتيح للجمهور فرصة المشاركة في هذا الطقس الرمضاني التراثي. وتشير الباحثة في مجال التراث السيدة سلمى النعيمي إلى أن مدفع الإفطار يُعد من أجمل مظاهر استقبال شهر رمضان قديماً وحديثاً لدى أهل قطر، موضحةً أن المدفع كان يُستخدم للإعلان عن موعد الإفطار، وغالباً ما يوضع بجانب المسجد أو في ساحة «الفريج». وعند سماع صوته كان الأهالي يقولون «ثارت الواردة»، في إشارة إلى المدفع الرمضاني القديم الذي كان يُعرف بـ«الواردة» والمكوَّن من البارود والملح والفتيل، وهو في الأصل مدفع حربي قديم جرى توظيفه لأغراض رمضانية. وأضافت أن شكل المدفع قديماً كان يختلف من حيث الحجم وآلية التشغيل، إذ وُجدت نماذج يدوية أصغر حجماً، وكان الناس يتوجهون إليه سيراً على الأقدام نظراً لصغر المجتمعات والقرى آنذاك. أما اليوم، فقد تطورت المدن واتسعت رقعتها، وأصبح المدفع أكبر حجماً وأعلى صوتاً، إلا أن العادة بقيت راسخة، حيث يحرص الأهالي على اصطحاب أبنائهم قبل موعد الإفطار بوقت كافٍ لمشاهدة إطلاقه والاستمتاع بالأجواء الرمضانية. وأوضحت أن الناس يترقبون قدوم شهر رمضان المبارك بكل ما يحمله من فرح وتباشير بالخير، مشيرة إلى أن مدفع الإفطار احد العناصر التي ربطت الماضي بالحاضر، حيث شهد مدفع الإفطار تطورا واختلاف المظاهر المحيطة به.. وتابعت: والآن كذلك يحرص المسؤولون عند مدفع الإفطار أن يكون مدفع الإفطار قريبا من احد المساجد مثل مسجد محمد بن عبدالوهاب أو في الساحات المفتوحة مثل كتارا. ويعكس استمرار هذا التقليد تمسك المجتمع القطري بعاداته الرمضانية الأصيلة، إذ لم يقتصر دوره على كونه وسيلة للإعلان عن الإفطار، بل أصبح رمزاً يربط الماضي بالحاضر، ويجسد صورة من صور التلاحم المجتمعي التي تتجدد مع قدوم الشهر المبارك، في مشهد تتوارثه الأجيال بوصفه أحد أبرز معالم الفرح الرمضاني في قطر. ومن الأماكن التي اشتهرت بنصب مدفع رمضان عند أذان مغرب كل يوم في رمضان، سوق واقف، والمؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا»، ودرب لوسيل، وميناء الدوحة القديم، وسوق الوكرة القديم وسوق حليتان بالإضافة إلى حديقة أسباير ليبقى أحد أبرز الطقوس الرمضانية التي تحظى باهتمام واسع من الجمهور.