كتب زياد فرحان المجالي - ليست المشكلة في تصريحٍ استفزازي. في السياسة الدولية، التصريحات تُطلق لاختبار السقف. المشكلة تبدأ حين لا يجد التصريح سقفًا يصطدم به. حين يُطرح حديث عن "سيطرة إقليمية” أو يُعاد إنتاج خطاب تفوق ديني لتبرير مشروع سياسي معاصر، فإن الرد لا يكون ببيان بروتوكولي ولا بعبارات ملساء عن "الاستقرار”. الرد يكون بتثبيت مبدأ. لكن ما رأيناه كان شيئًا آخر. رأينا لغة رمادية في لحظة تحتاج إلى وضوح. رأينا بيانات عامة لا تلامس جوهر الفكرة. وكأن المشكلة في الأسلوب لا في المضمون. إذا كان البعض يفتح باب المرجعية الدينية لتبرير مشروع سياسي، فليكن النقاش واضحًا. نعم، لدينا نحن أيضًا مرجعية دينية. القرآن الكريم لم يكن نصًا روحيًا فقط، بل كان أساس دولة. الدولة الراشدية، ثم الأموية، فالعباسية، فالفاطمية، فالعثمانية، وتجربة الأندلس التي أنارت أوروبا علمًا وثقافة — كلها قامت في سياقاتها التاريخية على مرجعية قرآنية واضحة. هذه حقيقة تاريخية. لكننا اليوم لا نعيش في زمن الإمبراطوريات. نحن في نظام دولي قائم على سيادة الدول وحدودها المعترف بها. وهذا النظام لم يُبنَ على مفاضلة بين نصوص، بل على مبدأ قانوني صارم: لا يُكتسب الإقليم بالقوة. قرار مجلس الأمن رقم 242 لم يكن اقتراحًا سياسيًا. كان تثبيتًا لمبدأ: الأراضي التي احتُلت عام 1967 هي أراضٍ محتلة، والاستيلاء على الأرض بالقوة مرفوض قانونيًا. ومع القرار 338، أصبح هذا المبدأ حجر أساس لا يمكن القفز فوقه بخطاب أو تأويل. فكيف يمكن اليوم أن يُعاد طرح مفهوم "السيطرة الإقليمية” وكأنه رأي مشروع؟ وكيف يمكن أن يُواجه ذلك ببيان إداري لا يضع خطًا أحمر واضحًا؟ وهنا يصبح السؤال مباشرًا: أين الخط الأحمر؟ ليس المطلوب صراخًا. ليس المطلوب تصعيدًا لفظيًا. المطلوب تعريف حدٍّ لا يُسمح بتجاوزه. إلى أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية: الجامعة ليست منصة بيانات. إذا لم يكن دورها تثبيت المبدأ في لحظات كهذه، فمتى يكون؟ القول بأننا "نرفض” لا يكفي. المطلوب أن يُقال بوضوح إن أي خطاب يبرر الهيمنة الإقليمية هو تهديد مباشر لمفهوم الدولة العربية ذاته. وإلى كل من تحدث بلغة رمادية: السياسة ليست إدارة جمل، بل إدارة مواقف. الغموض في قضايا السيادة ليس حكمة… بل فراغ يُملأ بخطاب القوة. إذا سقط مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، فلا معنى لأي حديث عن قانون دولي. وإذا تحولت النصوص الدينية إلى أدوات لتبرير خرائط معاصرة، فلن يبقى في المنطقة حد ثابت. الاختبار الحقيقي ليس في التصريح، بل في الرد عليه. إما أن نقبل بأن العالم تحكمه القوة وحدها، أو نتمسك بأن القانون الدولي هو السقف الذي لا يُكسر. الخطوط الحمراء لا تُمحى فجأة. تُمحى حين يُسمح بتجاوز صغير، ثم آخر، ثم ثالث… حتى تختفي. وفي لحظات كهذه، الصمت ليس حيادًا. إنه بداية إعادة رسم الخرائط — بالكلمات أولًا، ثم بما هو أخطر منها. .