ترامب وإعادة كتابة المشهد السوري: بين صناعة السردية الأمريكية وشرعية الثورة التي أسقطت النظام #عاجل

كتب - د. عبدالله حسين العزام أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي قال فيها إنه "وضع أحمد الشرع رئيساً” جدلاً سياسياً واسعاً، ليس فقط بسبب دلالتها المباشرة، بل بسبب ما تحمله من أبعاد رمزية تتصل بطبيعة الشرعية في مرحلة ما بعد النزاع السوري. فالتصريح، بصيغته الحاسمة، يوحي بأن التحول في السلطة داخل سوريا كان نتاج قرار دولي أو تدخل أمريكي مباشر، وهو تصور يتجاهل تعقيدات المشهد السوري وسيرورته التاريخية الممتدة منذ عام 2011. من وجهة نظري، فإن وصول أحمد الشرع إلى السلطة لا يمكن فصله عن السياق الثوري الذي امتد قرابة أربعة عشر عاماً في مواجهة نظام بشار الأسد البائد، والذي سقط بعد مسار طويل من الصراع والتفكك الداخلي على كافة المستويات. هذا المسار لم يكن حدثاً عابراً أو انقلاباً مفاجئاً، بل حصيلة تراكمات سياسية وميدانية واجتماعية أعادت تشكيل موازين القوى داخل الدولة السورية. وبالتالي فإن توصيف صعود الشرع باعتباره نتيجة قرار أمريكي يتجاهل البعد الداخلي العميق للثورة السورية، التي أنتجت واقعاً سياسياً جديداً بقوة التحولات الميدانية والشعبية لا بقرار خارجي منفرد. لقد كان أحمد الشرع قبل وصوله إلى الرئاسة لاعباً أساسياً في شمال غرب سوريا، حيث ترأس إدارة إدلب ضمن واقع سياسي – عسكري تشكل بفعل الحرب. هذا الوجود لم يكن صناعة أمريكية مباشرة، بل نتاج توازنات ميدانية معقدة بين قوى محلية وإقليمية. الولايات المتحدة، في مراحل سابقة، تعاملت مع بعض الفاعلين في تلك الجغرافيا من زاوية أمنية بحتة، لكنها في نهاية المطاف وجدت نفسها أمام واقع سياسي جديد لا يمكن تجاوزه. وهنا يمكن القول إن واشنطن لم "تصنع” السلطة بقدر ما اعترفت بها أو رضخت لها بوصفها أمراً واقعاً فرضته معادلات الداخل السوري. تصريح ترامب، في هذا الإطار، يبدو أقرب إلى إعادة صياغة سردية النفوذ الأمريكي منه إلى وصف دقيق لمسار الأحداث. فالخطاب السياسي الأمريكي، خصوصاً في مدرسة ترامب، يميل إلى تضخيم دور الولايات المتحدة في إعادة تشكيل البيئات الدولية، تأكيداً لفكرة الهيمنة والقدرة على صناعة التحولات. غير أن التجربة السورية تكشف أن واشنطن لم تكن اللاعب الوحيد، بل كانت جزءاً من شبكة معقدة من الفاعلين الإقليميين والدوليين، وأن التحول النهائي جاء نتيجة إنهاك النظام البائد وتفكك بنيته السياسية والعسكرية والمؤسساتية ككل علاوة على سقوط نظام الأسد في وجدان السوريين منذ إندلاع الثورة السورية. كما أن اختزال مسار الثورة السورية في جملة سياسية عابرة يقلل من ثقل التضحيات والتحولات التي عاشها المجتمع السوري على مدى أكثر من عقد. فالثورات، بطبيعتها، تنتج قياداتها من رحمها، حتى وإن اضطرت لاحقاً للتفاعل مع النظام الدولي وموازينه. وفي حالات ما بعد النزاع، كثيراً ما تضطر القوى الدولية إلى التعامل مع قيادات صعدت من بيئات صراع، ليس لأنها صنعتها، بل لأنها باتت تمثل السلطة الفعلية على الأرض. من هنا، يمكن فهم تصريح ترامب بوصفه رسالة سياسية ذات أبعاد متعددة؛ فهو يخاطب الداخل الأمريكي عبر إظهار القدرة على التأثير في الشرق الأوسط، ويخاطب الإقليم بالتأكيد على أن واشنطن ما زالت حاضرة في الملف السوري. لكنه في الوقت ذاته لا يغير من حقيقة أن صعود الشرع جاء في سياق ثوري داخلي طويل، وأن الولايات المتحدة تعاملت مع هذا الواقع الجديد باعتباره معطى سياسياً لا خياراً نظرياً. في المحصلة، يبقى الفرق كبيراً بين صناعة السلطة والاعتراف بها. وإذا كانت السياسة الدولية تميل دائماً إلى إعادة كتابة الروايات بما يخدم مصالحها، فإن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين الخطاب الرمزي والوقائع التاريخية. وفي الحالة السورية، التحول كان ثمرة مسار ثوري ممتد، بينما جاء الاعتراف الدولي – الأمريكي تحديداً – لاحقاً، بوصفه استجابة لواقع فرض نفسه أكثر مما كان نتيجة قرار بصناعته. .