كتب فراس عوض - لم يعد الحديث عن مشروع القانون المعدّل للضمان الاجتماعي مجرّد نقاش تقني بين خبراء، بل تحوّل إلى قضية رأي عام تمسّ كل بيت أردني تقريبًا، لأن الضمان ليس صندوقًا ماليًا فحسب، بل هو العقد الاجتماعي غير المكتوب بين الدولة والمواطن: تعمل وتدفع اليوم لتأمن غدك حين تضعف قدرتك على العمل. لذلك، فإن أي تعديل يطال شروط التقاعد أو الاستحقاق يُقرأ مباشرةً بوصفه إعادة تعريف لحقوق مكتسبة لا مجرد تحديث إداري. أكثر النقاط إثارة للجدل هي رفع عدد اشتراكات التقاعد المبكر إلى 360 اشتراكًا، أي 30 سنة عمل متواصل. على الورق يبدو الرقم منطقيًا في سياق الحفاظ على استدامة الصناديق، لكن عند إسقاطه على الواقع الأردني تظهر فجوة كبيرة. فالدخول المتأخر إلى سوق العمل، وارتفاع معدلات البطالة، والعمل غير المنتظم، والتنقل بين الوظائف، كلها تجعل فكرة "30 سنة متصلة” أقرب إلى المثال النظري منها إلى المسار المهني الفعلي لغالبية العاملين. من يبدأ عمله في الخامسة والعشرين — وهو عمر شائع — سيصل إلى التقاعد المبكر عند الخامسة والخمسين، بشرط ألا يتعرض للبطالة أو الفصل أو المرض. أما من يفقد عمله في الأربعينيات، وهي ظاهرة ليست نادرة في القطاع الخاص، فسيجد نفسه خارج سوق العمل وخارج الحماية معًا. الانتقاد الثاني يتمثل في رفع سن تقاعد الشيخوخة تدريجيًا إلى 65 للذكور و60 للإناث، مع زيادة عدد الاشتراكات المطلوبة إلى 240 بدل 180. هذا التغيير قد يبدو متوافقًا مع اتجاهات عالمية، لكنه يصطدم بخصوصية السوق المحلي. فبيئات العمل في الأردن، خصوصًا في المهن اليدوية والخدمية، ليست مصممة لاستيعاب عمال في الستينيات من أعمارهم. كما أن الشركات الخاصة تميل إلى تقليل التكاليف عبر الاستغناء عن كبار السن، ما يخلق مفارقة خطيرة: القانون يطلب من العامل أن يعمل حتى سن متأخرة، بينما السوق قد لا تسمح له بذلك. من الزوايا التي يكثر الحديث عنها أيضًا احتمال انخفاض الرواتب التقاعدية الفعلية للمتقاعدين الجدد مقارنةً بما كان متوقعًا وفق القانون الحالي، بسبب تأخير سن الاستحقاق وزيادة سنوات الاشتراك دون زيادة موازية في المزايا. هذا الشعور بأن الاشتراكات تتحول من تأمين اجتماعي إلى عبء مالي طويل الأمد هو ما يغذي حالة القلق الشعبي، خصوصًا لدى الطبقة الوسطى التي تعتمد على راتب تقاعدي مستقر بعد سنوات الخدمة. أما فيما يتعلق بالتأثير على الشباب، فإن تأخير خروج كبار الموظفين من سوق العمل قد يعني تقليص الفرص الوظيفية المتاحة للداخلين الجدد. صحيح أن الاقتصاد لا يعمل بمنطق "مقعد مقابل مقعد”، لكن في سوق محدود الوظائف مثل الأردن يصبح بقاء الموظفين لفترة أطول عاملاً إضافيًا في بطء دوران فرص العمل. هناك أيضًا مخاوف من انعكاسات غير مباشرة على سلوك أصحاب العمل. فكلما زادت كلفة الالتزام بالضمان وطالت مدته، قد يزداد الاتجاه نحو التهرب أو تشغيل العمال بعقود غير رسمية أو برواتب أقل مصرح بها، وهو ما يضعف إيرادات الضمان نفسه على المدى البعيد، أي عكس الهدف المعلن من الإصلاح. في المقابل، تشير بعض البنود إلى جوانب إيجابية محدودة مثل رفع الحد الأدنى لبعض الرواتب التقاعدية المتدنية وشمول فئات عمل جديدة وتخفيف اشتراكات منشآت صغيرة لفترة مؤقتة. غير أن هذه الإجراءات تبدو لكثيرين حلولًا جزئية لا تعالج جوهر القلق المتعلق بتأخير الاستحقاق وتقييد الوصول إلى التقاعد. أما من الناحية القانونية، فإن أي تطبيق بأثر رجعي على مشتركين بنوا خططهم المهنية والمالية وفق قواعد سابقة قد يفتح الباب أمام طعون دستورية محتملة، استنادًا إلى مبدأ حماية الحقوق المكتسبة وعدم رجعية القوانين الضارة. في النظام القانوني الأردني يمكن الطعن بالقوانين عبر القضاء الإداري ثم الدفع بعدم الدستورية أمام المحكمة الدستورية إذا توافرت الشروط الإجرائية. كذلك يمكن للهيئات المهنية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني ممارسة ضغط تشريعي عبر البرلمان، أو المطالبة بحوارات وطنية موسعة قبل إقرار أي تعديلات جوهرية. الجدل الدائر يكشف في جوهره صراعًا بين مفهومين: الاستدامة المالية للصندوق من جهة، والعدالة الاجتماعية للمشتركين من جهة أخرى. الاستدامة ضرورة لا يمكن إنكارها، لكن تحقيقها عبر تمديد سنوات العمل وتأخير الحقوق دون معالجة أسباب الخلل — مثل البطالة المرتفعة، وضعف الأجور، والاقتصاد غير المنظم — قد يبدو وكأنه تحميل الحلقة الأضعف كامل العبء. في النهاية، لا يُقاس نجاح أي نظام ضمان بقدرته على موازنة الأرقام فقط، بل بقدرته على طمأنة الناس إلى أن سنوات عملهم لن تضيع بين تعديلات متلاحقة. فالضمان ليس معادلة مالية بحتة، بل وعد بالأمان في مرحلة الضعف. وإذا اهتز هذا الوعد، فإن أخطر ما قد يخسره النظام ليس الأموال، بل الثقة نفسها — وهي رأس المال الحقيقي لأي منظومة حماية اجتماعية. .