«بشت» رونالدو يترجم عشق الأسطورة الكروية للسعودية

بعد عبارة «أنا سعودي» الشهيرة التي أطلقها الأسطورة البرتغالية كريستيانو رونالدو، قائد فريق النصر ومنتخب البرتغال الأول لكرة القدم، نوفمبر الماضي، خلال لقائه في منتدى «تورايز» العالمي، عاد مجددًا، برسالة يملؤها الحب، تجسّد متانة علاقة امتنان أساسها راسخ في أعماق وطن شاهق عملاق. رسالة امتزجت بعبق التاريخ وإرث الماضي، وريادة الحاضر، كانت بمثابة تأكيد على عمق المشاعر التي يكنّها النجم الأسطوري للسعودية، وهو ما أكده خلال لقائه التلفزيوني، بعد مباراة فريقه أمام الحزم، السبت، الذي قال فيه: «كما قُلتُ مِرارًا أنا أنتمي إلى السعودية، هذا بلد استقبلني بحفاوة شديدة أنا وأصدقائي وعائلتي، وأنا سعيد هنا، وأريد الاستمرار»، وذلك قبل أن يصبح المشهد صورةً تتناقلها عدسات العالم. لم تكن تلك مجرد عبارةٍ دبلوماسية اعتادها نجوم الكرة عند الانتقال إلى محطةٍ جديدة، بل اعترافٌ عاطفي من لاعبٍ وجد في السعودية أكثر من نادٍ أو بطولة، وجد مجتمعًا احتضنه، وبلدًا منحه الشعور بالطمأنينة، ليسكن القلوب قبل الملاعب. في شوارع الرياض، ومع عائلته التي اندمجت سريعًا في تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد رونالدو يعيش تجربة احترافية فحسب، بل تجربة إنسانية كاملة، حياة يشعر فيها بالترحيب، والأمان، والانتماء. في ليلةٍ استحضرت الأرض خلالها تاريخها، لم يكن المشهد عاديًا.. بل أقرب إلى حكاية تُكتب بين شعبٍ ونجمٍ جاء من أقصى الغرب ليجد قلبه في الشرق. لم يبدأ الأمر بهدفٍ جديد أو احتفالٍ تقليدي، بل بلحظةٍ رمزية تحوَّلت إلى قصة انتماء. لحظة انطلقت تفاصيلها بعد صافرة نهاية مباراة استعادة الصدارة، وإعلان فوز النصر برباعية نظيفة، حينما وقف القائد الأسطوري في قلب ملعب الأول بارك، والجماهير تهتف باسمه، وسط أجواء أصبحت جزءًا من الانتصارات النصراوية. الأمر غير المعتاد سجَّل حضوره وكأنه شعاع قادم من الغرب أتى ليعانق خيوط الشمس الذهبية في أحضان نجد العراقة والتاريخ.. جاء على هيئة مشلح، «بشت»، متوشحًا رمزيةً تاريخية تتناغم مع احتفالات البلاد بيوم التأسيس السعودي. البشت السعودي.. لباسٌ يحمل تاريخًا أطول من كرة القدم نفسها. وحين ارتداه رونالدو، لم يكن مجرد لاعبٍ يحتفل بانتصار، بل إنسانًا يحتفي بثقافةٍ أحبها، وانصهر داخلها بسلاسة تشبه انسيابية ارتداء المشلح الذي اعتلى كتفيه بفخرٍ واعتزاز، وسط عاصفة جماهيرية من التصفيق، فبدت اللحظة وكأنها إعلان صامت بأن العلاقة تجاوزت حدود المستطيل الأخضر. لحظةٌ تاريخية حملت معها صدارة الدوري على كفوف العودة، وزفّت تذكارية «البشت» الخالدة، في فضاء رحب يجوب أرجاء العالم.. تروي حكاية قصة عشق أحد أعظم أساطير كرة القدم لأرضٍ احتضنته وأصبح جزءًا منها. ولأن الأفكار الإبداعية تولد وتنفّذ وتصبح واقعًا ملموسًا، فإن فكرة «بشت رونالدو» انطلقت من الطاقم الإداري للنصر تزامنًا مع ذكرى يوم التأسيس، وعندما عُرض عليه الأمر لمع بريق عينيه، ابتسم وأعطى موافقته على الفور، وكأنه وجد فرصةً جديدة للتعبير عن امتنانه للبلد الذي يقول دائمًا إنه يشعر فيه بالسعادة، ليبدأ بعد ذلك فصل التنفيذ عندما تم تحضير البشت وتسليمه إلى المسؤول الإعلامي سعد الرفدان، وبدوره انتظر لحظة الاحتفال مع الجماهير من أجل إيصاله إلى رونالدو. لم يكن رونالدو يرتدي البشت كضيفٍ يشارك احتفالًا، بل شخص وجد نفسه جزءًا من نسيج وطن كامل... وأمام المدرج الأصفر ووسط رصد عدسات العالم، بدت الصورة رسالة واضحة: الأسطورة لا يلعب فقط.. بل يعيش هنا بحب واستمتاع. ومنذ وصوله إلى الرياض، لم يتعامل رونالدو مع الأمر كمحطة كروية عابرة، بل كان يبحث عن ما هو أعمق من الأهداف والألقاب، لينسج علاقة إنسانية مع شعبٍ احتضنه بحبٍ غير مشروط. شيئًا فشيئًا، بدأت ملامح الاندماج تتشكل.. في الأعياد يشارك الجماهير أفراحهم، يبادلهم التهاني، ويتعرّف على عاداتهم وتقاليدهم.. وفي المناسبات الوطنية، لا يكتفي بالحضور، يرفع العلم، يشارك العرضة، يتمايل بالسيف، ويبتسم للأطفال كما يفعل أي سعودي يشعر بالفخر بتاريخ بلاده. لم يعد الجمهور يراه مجرد نجم عالمي، بل شخصية تعيش تفاصيل المكان، يعشق تعلّم أدق التفاصيل، يتحدث قليلًا من العربية ودائمًا يبدأ تحيته بـ «السلام عليكم»، يستمتع بالأجواء على امتداد تنوع التضاريس السعودية، حتى بدت حياته خارج الملعب أكثر عشقًا للمكان. وحين يُسأل عن سر هذا القرب، يعود دائمًا إلى الفكرة نفسها: أنه يريد الاندماج مع الشعب الذي يشعر اليوم بأنه ينتمي إليه. لذلك لم يكن ارتداء البشت مجرد لقطة احتفالية بعد فوزٍ أو عودة صدارة، بل لحظة اختصرت رحلة كاملة.. من لاعبٍ جاء بحثًا عن تحدٍ جديد، إلى نجمٍ وجد وطنًا ثانيًا يحتفل معه ويحتفل به.. لم يكن البشت زيًّا تقليديًّا فقط، كان جسرًا بين ثقافتين، ودليلًا حيًا على أن كرة القدم قادرة أحيانًا على صناعة ما هو أعمق من الانتصارات.. صناعة انتماء. وهكذا تحوّلت صورة رونالدو بالبشت إلى قصة تُروى طويلًا، قصة أسطورةٍ برتغالية أحب الفكرة، فعشق المكان، وكتب فصلًا جديدًا من مسيرته بلونٍ سعودي خالص.. فصلًا لا يُقاس بالأهداف، بل بالقلوب التي كسبها.