لبنان من الجنوب إلى البقاع: تبدل الخريطة والحسابات

مساء الجمعة الماضي، خرج البقاع من هامش الاشتباك إلى قلبه، سلاح الجو الإسرائيلي نفّذ سلسلة غارات متزامنة استهدفت النبي شيت ورياق وعلي النهري وتمنين، في عملية وُصفت بأنها الأوسع في هذه المنطقة منذ اتفاق وقف إطلاق النار.الضربات جاءت من دون إنذار مسبق، وأصابت مباني سكنية قيل إن أحدها كان يضم اجتماعاً ميدانياً لحزب الله الذي نعى عدداً من عناصره، فيما أعلنت وزارة الصحة سقوط قتلى وجرحى.توقيت العملية لم يكن تفصيلاً، فهي حصلت في ذروة تصاعد التوتر الإقليمي، ومع عودة الحديث عن احتمال مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران، وهنا تحديداً تتجاوز الضربة بعدها الميداني.اختيار مساء الجمعة لم يكن اعتباطياً، الضربات جاءت في نهاية أسبوع سياسي وأمني حافل بالتصريحات والتسريبات حول سيناريوات التصعيد في المنطقة. عملياً، سبقت إسرائيل أي تطور محتمل بخطوة ميدانية واضحة، نقلت النار إلى عمق يعتبر شرياناً لوجستياً للحزب، بعدما كانت العمليات تتركز في الجنوب.الدلالة الأولى أن الجغرافيا لم تعد عائقاً، ما كان يُنظر إليه كمخزون بعيد نسبياً عن خط الاشتباك أصبح هدفاً مباشراً، هذا يعني أن أي حسابات لبنانية أو إقليمية بوجود «مسافة أمان» سقطت مساء الجمعة.الدلالة الثانية مرتبطة بالتوقيت الإقليمي، في ظل التوتر المفتوح بين تل أبيب وطهران، تبدو الضربة محاولة لتعديل ميزان المخاطر قبل أي تطور كبير، الرسالة بسيطة في مضمونها: إذا اتسع الاشتباك، فإن البنية العسكرية في لبنان ستكون تحت ضغط منذ اللحظة الأولى، وإنها عملية تقليص هوامش، لا مجرد رد موضعي.لكن في المقابل، لا مؤشرات حتى الآن على قرار بحرب شاملة، ولا استدعاء واسعاً للاحتياط، ولا انتقال إلى قصف مكثف متواصل، ولا إعلان سياسياً عن أهداف تتجاوز الضربات المحددة، ما يجري أقرب إلى رفع سقف الاشتباك درجة إضافية، لا إلى قلب الطاولة بالكامل.الخطورة تكمن في أن هذا السقف بات أعلى من السابق، عندما يستهدف البقاع بهذه الكثافة، يصبح أي رد لاحق محكوماً بمعادلة أكثر تعقيداً، فالصمت الطويل مكلف، والرد الكبير يفتح الباب أمام تصعيد يصعب ضبطه.هل لبنان على عتبة الضربة المؤجلة؟ حتى الآن، لا يبدو أن ساعة المواجهة الشاملة قد دقّت، لكن مساء الجمعة رسم خطاً جديداً في المشهد: لم يعد الجنوب وحده ساحة النار، ولم يعد العمق بعيداً عن الحسابات.بين هذين التحولين يقف لبنان في منطقة شديدة الحساسية، إذ يمكن لقرار إقليمي واحد أن يحوّل الغارات المحدودة إلى مواجهة مفتوحة خلال أيام، وربما ساعات.المشهد إذاً ليس إعلان حرب، لكنه أيضاً ليس تفصيلاً عابراً، والمرحلة القادمة ستتوقف على سؤال واحد: هل تبقى الرسائل تحت السيطرة أم تتحول إلى شرارة تتجاوز نيات أصحابها؟