تونس، أرض الحضارات، لطالما كانت منارة للعلم والمعرفة، أنجبت عبر تاريخها الطويل قامات علمية أثرت في مختلف المجالات. من علماء الدين واللغة إلى الفلك والطب، ترك التونسيون بصمات لا تمحى في سجل الإنسانية. لكن، هل يستمر هذا الإرث في الازدهار في ظل التحديات المعاصرة؟ وهل ستتمكن تونس من استعادة مكانتها كمركز إشعاع علمي في عالم 2026؟ إرث عريق: من الزيتونة إلى العصر الحديث لا يمكن الحديث عن علماء تونس عبر التاريخ دون ذكر جامع الزيتونة المعمور، الذي كان ولا يزال منارة للعلم والثقافة. فقد تخرج منه علماء أفذاذ في مختلف العلوم الشرعية واللغوية. على سبيل المثال، الإمام سحنون بن سعيد التنوخي، أحد كبار فقهاء المالكية، الذي ترك بصمة واضحة في الفقه الإسلامي. وكذلك، العلامة ابن خلدون، الذي يعد مؤسس علم الاجتماع الحديث، والذي قدم للعالم مقدمته الشهيرة التي غيرت مفاهيم التاريخ والفلسفة. في العصر الحديث، ظهرت أسماء لامعة أخرى في مجالات العلوم التطبيقية والتكنولوجيا. الدكتور محمد مزالي، العالم الفيزيائي المعروف، الذي ساهم في تطوير العديد من التقنيات الحديثة. وكذلك، الدكتورة فوزية الشرفي، عالمة الأحياء البارزة، التي قدمت أبحاثا رائدة في مجال الأمراض الوراثية. هؤلاء العلماء وغيرهم، ساهموا في رفع اسم تونس عاليا في المحافل الدولية. تحديات الحاضر: هجرة الأدمغة وتراجع البحث العلمي على الرغم من هذا الإرث العريق، تواجه تونس اليوم تحديات كبيرة في مجال البحث العلمي والتطوير التكنولوجي. هجرة الأدمغة تعتبر من أبرز هذه التحديات، حيث يفضل العديد من العلماء والباحثين التونسيين الهجرة إلى الخارج بحثا عن فرص أفضل وبيئة علمية أكثر تحفيزا. تشير إحصائيات غير رسمية إلى أن أكثر من 40% من الخريجين التونسيين في مجالات العلوم والتكنولوجيا يهاجرون إلى الخارج خلال السنوات الخمس الأولى بعد التخرج. بالإضافة إلى ذلك، يعاني البحث العلمي في تونس من نقص التمويل والموارد. الميزانيات المخصصة للبحث العلمي لا تزال محدودة، مما يعيق تطوير البنية التحتية اللازمة لإجراء البحوث المتقدمة. كما أن التعاون بين الجامعات والمؤسسات البحثية والقطاع الخاص لا يزال ضعيفا، مما يحد من قدرة الباحثين على تحويل أبحاثهم إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق. رؤية 2026: نحو استعادة الريادة العلمية لتحقيق التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي، يجب على تونس أن تستثمر في البحث العلمي والتطوير التكنولوجي. يجب على الحكومة التونسية أن تضع استراتيجية واضحة لدعم البحث العلمي، من خلال زيادة التمويل وتوفير الحوافز للباحثين والمبتكرين. كما يجب عليها أن تعمل على تحسين البيئة العلمية، من خلال توفير البنية التحتية اللازمة وتسهيل التعاون بين الجامعات والمؤسسات البحثية والقطاع الخاص. بالإضافة إلى ذلك، يجب على تونس أن تعمل على جذب الكفاءات التونسية المهاجرة، من خلال توفير فرص عمل مجزية وبيئة علمية محفزة. يمكن للحكومة أن تقدم برامج خاصة لدعم عودة العلماء والباحثين التونسيين من الخارج، وتوفير لهم الدعم المالي والإداري اللازم لبدء مشاريعهم البحثية في تونس. في عام 2026، نطمح إلى رؤية تونس وقد استعادت مكانتها كمركز إشعاع علمي في المنطقة. نطمح إلى رؤية جامعات تونسية تحتل مراكز متقدمة في التصنيفات العالمية، وإلى رؤية شركات تونسية رائدة في مجالات التكنولوجيا والابتكار. لتحقيق هذه الرؤية، يجب علينا أن نعمل بجد واجتهاد، وأن نستثمر في العلم والمعرفة، وأن نؤمن بقدراتنا وإمكانياتنا. تشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2026، إذا تم تنفيذ الإصلاحات اللازمة في مجال البحث العلمي، يمكن لتونس أن تزيد من مساهمة القطاع العلمي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5%، وأن تخلق عشرات الآلاف من فرص العمل الجديدة في مجالات التكنولوجيا والابتكار. هذا يتطلب رؤية واضحة والتزاماً قوياً من جميع الأطراف المعنية. .