د. أبوغزله يقدّم قراءة نقدية في مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية #عاجل

إعداد الدكتور محمد أبوغزله * حين يسوق الاجترار على أنه إصلاح، في ظل التحولات التكنولوجية والإدارية المتسارعة، وفي سياق ما يعلن عنه من خطط للإصلاح والتحديث السياسي والاقتصادي والإداري، يصبح من الطبيعي، بل والضروري مراجعة القوانين والأنظمة الناظمة لعمل الوزارات، لا سيما تلك التي تشهد تراجعا واضحا في الأداء والفاعلية غير أن المراجعة التشريعية، حين تبنى على اجترار تجارب سابقة أثبتت فشلها أو كانت محدودية في أثرها، تتحول من أداة إصلاح إلى عبء إضافي على المنظومة القانونية والإدارية والتعليمية، ولعل ما أصبح يثار عن تعديلات القانون، وآخرها قانون الضمان الاجتماعي، لخير دليل على ذلك، علما لا ينقصنا الفقهاء والخبراء القانونيون الحقيقيون، والذين يمكن استشارتهم وتجويد هذه التشريعات، وهنا لا أتحدث عن ما يسمون بفقهاء القانون الذين يعملون على الدعسة تاعون " روح دافع عن القانون وبرر القرارات وبنبرة عالية ومقدم الحلقة اتركه لنا ". إن دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي ليس تجربة جديدة؛ إذ طبق هذا النموذج بين عامي 1985 و2001، ثم جرى التراجع عنه بعد أن تبين عجزه عن تحقيق الغايات المرجوة، ومع ذلك يعاد اليوم إنتاج الفكرة ذاتها بقانون جديد تحت مسمى مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الوارد البشرية، والذي لم يشمل أي كلمة في اسمه عن التعليم العالي، رغم أهميته استراتيجيا على مستوى الدول، ولا حتى يتضمن في متنه أي محتوى يتعلق بتنمية الموارد البشرية هذه الحلقة التي يجب أن تتكامل مع الوزارات والمؤسسات المعنية بتنمية الموارد البشرية، والتي لم يتم الرجوع إليها أو التنسيق أو المواءمة بينها لضمان التكامل الرأسي والأفقي في التخطيط التكاملي، لا يحمل في جوهره سوى تعديلات شكلية تقوم على النسخ والقص واللصق، مع تسويقها بوصفها إنجازا سياسيا وإداريا يتماشى مع خطاب رؤية التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، ويتكئ على الرؤية لتبرير تنفيذ القانون. وتتعـمق الإشكالية حين يصبح الهدف الأساسي من التعديل هو الإعلان عن إنجاز لا تحقيقه فعليا؛ فليس كل تعديل ينشر في الجريدة الرسمية إنجازا حقيقيا، ولا كل تغيير في الصياغة تطورا في المضمون، ولا أي عملية نسخ أو قص ولصق تطويرا. وحين يستند في تبرير هذا النوع من التشريعات إلى مرجع سياسي أو خطاب ظرفي لمنحه الخطوة شرعية شكلية تخفي غياب الدراسة المتعمقة والتقييم الموضوعي. عندها ستكون خطورة إنجازات العناوين في أنها تراكم نصوصا بلا أثر، وتربك المنظومة التعليمية بتعديلات متلاحقة لا تضيف قيمة حقيقية، بل تضعف الثقة في العملية التشريعية ذاتها، وتحول القانون من أداة إصلاح إلى مجرد واجهة تجميلية. ولعلي أقف على كل شاردة وواردة في القانون الجديد، لعلي أسهم في إعطاء القائمين على اعداد مشروع القانون فرصة لإعادة دراسة القانون قبل الزج به إلى الغرف التشريعية، فمسمى القانون فيه شيء من التضليل اللغوي والتناقض المفاهيمي؛ إذ يحمل القانون مسمى مشروع "قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية"، غير أن مضمونه لا يعكس هذا العنوان الطموح، فالتعليم العالي، الذي يعد ركيزة أساسية في تنمية الموارد البشرية ومحط اهتمام عالمي، جرى إسقاطه من اسم القانون، ثم جرى ذكره في المتن بطريقة هامشية باستثناء تشديد القبضة والتدخل في مؤسسات التعليم العالي من خلال مهام المجلس بغير ذلك ظهر التعليم العالي كأنه ملحق إداري لا قطاع استراتيجي، وحتى وإن كان التفكير في إفراد له إدارة عامة ضمن هيكل الوزارة المستقبلية او لجنة للإشراف، فإن ذلك لا يبرر هذا التقزيم، ولا ينسجم مع الأهمية الوطنية والعلمية للتعليم العالي، ولا مع دوره في البحث العلمي وبناء الاقتصاد المعرفي أما إذا كان هناك تبرير لترسيخ استقلالية الجامعات، فهذا يدحض ما تضمنته المادة المتعلقة بمهام المجلس، والتي تشير إلى التدخل المباشر حتى في أسس القبول والبرامج وغيرها مما ينفي استقلاليتها. كما أن مصطلح تنمية الموارد البشرية البراق في اسم الوزارة حضر اسما في مشروع القانون وغاب مؤسسيا؛ فهذا المصطلح يفترض أن يعكس تحولا حقيقيا في الرؤية والوظيفة المستقبلية للوزارة، كما أن الأسباب الموجبة للقانون، والتي تم تسويقها، تكشف عن غياب واضح للتنسيق مع الجهات الوطنية المعنية بهذا الملف لضمان التكامل في التخطيط للموارد البشرية، وعلى رأسها وزارة تطوير القطاع العام، التي تتولى منذ تأسيسها عام 2006 مسؤوليات واضحة في مجال تنمية الموارد البشرية في القطاع العام. كما يغيب أي انسجام تشريعي أو مؤسسي مع هيئة الخدمة والإدارة العامة للمساهمة في المشاركة في صياغة أهداف التعليم والمهارات المطلوبة، وتوجيه البرامج في الجامعات لتحقيقها، والأمر كذلك مع معهد الإدارة العامة العريق، ومع المركز الوطني لتنمية الموارد البشرية، الذي مهامه ومسماه منذ التأسيس ينصبان على تنمية الموارد البشرية، وغالبية عمله مع وزارة التربية والتعليم، وهيئة تنمية وتطوير المهارات المهنية والتقنية التي يفترض أن تكون شريكا في ذلك وعضوا في المجلس الموقر، وللعلم، فإن هذه الجهات أيضا تم تغييبها عن عضوية مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، لذا فإن الحديث عن "توحيد المرجعيات" و"تطوير مهارات الموارد البشرية في مراحل التعليم العام أو العالي" يبقى خطابا إنشائيا ما لم يترجم إلى تكامل حقيقي مع هذه المؤسسات، وليس تدخلا في الصلاحيات وتكرارا في الأدوار ، والأمر المهم في أن المبررات لمشروع القانون لم تترجم في مواده فلا في مواد التعريفات والفلسفة ومبادئ السياسات والاهداف وجميع المواد في القانون لم تتضمن أي شيء من قانون التعليم العالي باستثناء تعريف مؤسسات التعليم العالي والبنود التي أسندت لمجلس التربية وتنمية المواد البشرية من اجل التدخل في شؤون الجامعات التي نتحدث عن استقلاليتها فعن أي مبررات تساق لمشروع القانون الجديد من اجل توحيد المرجعيات و التكامل والانتقال بين المراحل ورفع جودة التعليم بكافة مراحله وتطوير مهارات القوى العاملة والمواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل او تعزيز استقلالية الجامعات والتي افردت (11) نقطة من اصل (13) واعطيت كمهام للمجلس لمزيد من المركزية والتدخل في شؤون الجامعات وفي في شؤون اعتماد مؤسسات التعليم العالي فللمجلس الحق في إيقاف القبول في التخصصات وإلغاء تراخيص مؤسسات التعليم العالي او تخصصاتها وأيضا ستشكل لجنة للأشراف على مؤسسات التعليم العالي فعن اين تكامل تتحدون. وإذ ما ذهبنا إلى قائمة التعريفات المادة (2)، نجدها قصا ولصقا من القانونين الأصليين للوزارتين ومهام المجالس، حتى باتت نقلا حرفيا بلا رؤية، كما أنه تم إعادة وضع بعض المواد القانونية من القانونين وتحويلها لتصبح تعريفات في مشروع القانون المقترح، دون أن يرافق ذلك أي تطوير مفاهيمي والغريب أنه تم أدرج تعريف للتعليم الإلكتروني، لكن خلت سياسات الوزارة أو مواد القانون من معالجة حقيقية لهذا النمط التعليمي المهم، والذي أصبح العالم كله يتوجه إليه وفي إشارة خجولة في اخر القانون بانه سيصدر في نظام لإدماجه في مؤسسات التعليم العالي وكان التعليم العام لا يومه هذا النوع من التعليم ، وكذلك إضافة تعريفات "المهن التخصصية" و"المهن الإدارية"، فتكشف عن توجه إداري محض يهدف إلى تبرير الفروقات في العلاوات، لا إلى تطوير بيئة العمل التربوي وتحديد المهارات التي يجب أن تُنمّى لدى الموارد البشرية. وإذا ذهبنا أيضا لفلسفة التعليم في مشروع القانون المادة (3) فقد نالها ما نال المواد الأخرى؛ فعلى الرغم من الحديث عن التطورات التكنولوجية ومهارات سوق العمل التي وردت في مبررات مشروع القانون، فإن التعديل عليها كان شكليا، رغم مرور سنوات على وضع هذه الفلسفات، ولم يتم التعديل الجوهري على أهدافها او الإضافة عليها رغم مرور أكثر من ربع قرن عليها او ما يزيد (3) عقود، والتعديلات انصبت في معظمها على فصل أو دمج مواد، وتبديل مواقع نقاط، وحذف أو إضافة كلمات، دون أن تمس الجوهر. فخفض عدد الأسس الفكرية أو الوطنية عبر الدمج لا يعني تطويرا، بل تقليصا لغويا، كما أن إضافة عبارات عامة مثل "التعليم استثمار في المستقبل" في فلسفة القانون لا تضيف معنى تشريعيا، لأن القانون برمته يقوم على هذه الفرضية.، اما الصياغة المتعلقة بالتعليم بمفهومه العام، وهي التعليم الدامج في النقطة المضافة في فلسفة القانون، فجاءت فضفاضة وغير منضبطة، والأجدى أن تكون الإضافة عن التعليم بمفهومه العام كإطار فكري وتنظيمي، ينظر إلى التعليم بوصفه حقا إنسانيا وأداة تنمية شاملة، يقدم لجميع فئات المجتمع بصورة عادلة ومنصفة، ولا يحصر بالتعليم الدامج مع ملاحظة أن تم الاعتماد على الفلسفة الموجودة في قانون التربية والتعليم وكانه لم تكن هناك فلسفة في قانون التعليم العالي ، فعن أية مبررات تسقون لمشروع القانون في موضوع بناء هيكل جديد لنظام التعليم ليصبح الانتقال بين المراحل التعليمية اكثر كفاءة وشمولا واكثر سهولة. أما فيما يتعلق بالسياسات والأهداف في المواد ( 4،5)، فطالها اختزال أخل بالاتساق بين محتواها؛ فرغم إعادة ترتيب مبادئ السياسات التعليمية لتصبح قبل الأهداف عما كانت عليه في القانون الأصلي، فإن التعديلات لم تشمل أهدافا جديدة وحيوية تواكب العصر وتستجيب للمتغيرات، بل شملت شطب جزئيات من بنود جوهرية، مثل التأكيد على أهمية التربية السياسية من البند الثالث من القانون الأصلي، في وقت تبقي فيه على شعارات عامة حول المشاركة والعدالة والديمقراطية، والتي لا تستقيم دون التربية السياسية.، والملفت للأمر أن السياسات تم الاعتماد فيها على السياسات الواردة في قانون التربية والتعليم الأصلي ولم يضيف القانون اية سياسات تتعلق بالتعليم العالي وتنمية الموارد البشرية . كما جرى اختصار الأهداف التربوية من (18) إلى (11) هدفا، من خلال الدمج والحذف والنقل لمواقع أخرى أو الإضافة غير الجوهرية، دون بيان فلسفة هذا الاختزال، ودون ضمان اتساق الأهداف مع مبادئ السياسات من حيث المضمون لا من حيث العدد، كما أن حذف هدف الاعتزاز الإسلامي والقومي والوطني من القانون الأصلي، وإضافة مفهوم مثل "التطور الحضاري" في هدف استيعاب عناصر التراث في القانون الجديد، يطرح تساؤلات جدية حول الرؤية الفكرية التي تحكم الحذف والإضافة وبالتي تحكم صياغة القانون، فهل شطب هدف الاعتزاز الإسلامي والقومي والوطني من القانون الأصلي مدعاة للشطب ؟، حتى لو كان هناك هدف آخر يتعلق باستيعاب الإسلام وعقيدته وشريعته، بينما إضافة فهم التطور الحضاري ستكون مدعاة لمراجعة التراث وتغييره، لذا اعتقد إنها إضافة لا يوجد لها تفسير فلسفي او تربوي أو علمي، كما أن حتى الأهداف المقترحة في مشروع القانون اخذت جميعها من قانون التربية والتعليم الأصلي ، والسؤال ألم يكن هناك أهداف في قانون التعليم العالي . كما أن شطب توجيه هدف النظام التربوي بما يكفل تحقيق مركزية التخطيط العام والمتابعة، واللامركزية في الإدارة، مدعاة للشطب لأنه أقصى مشاركة لجنة التخطيط المركزية التي كانت تشكل بموجب تعليمات، واللجنة الموسعة من الميدان، والتي تضم مديري التربية، وأصبحوا لا دور لهم في عملية التخطيط للميدان التربوي، لأن هذه المهمة أسندت لمجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية المبجل، وبالتالي فالتوجه الجديد قائم على الاقصاء وضرورة تبنى مفهوم التخطيط للكرس الغائب في التعليم، والذي كان الطالب في استمرار ولكن أضاف التوجه الجديد عليه المعلم والكوادر القيادية والإدارية في التعليم، وهذا من أخطر ما تضمنه القانون الجديد. أما فيما يتعلق بالمادة (6) المتعلقة بأعمال الوزارة، فهو تفريغ للمسؤوليات الأساسية؛ حيث شهدت المادة المتعلقة بأعمال الوزارة شطب مهام محورية، مثل توفير الأبنية المدرسية، والرعاية الإرشادية والصحية، وتشجيع البحث العلمي، والنشاط الثقافي والعلمي. وفي المقابل، جرى تفتيت هذه الأعمال أو نقل بعضها إلى مواد مستقلة دون مبرر موضوعي، ما يضعف وحدة النص ويفرغ الوزارة من أدوارها الجوهرية، كما أن تحويل التزامات واضحة تجاه المعلمين، مثل الإسكان والضمان الاجتماعي، إلى صلاحيات جوازيه لا إلزامية، يمثل تراجعا خطيرا عن مسؤولية الدولة تجاه الكادر التعليمي، مع إدراكنا أن معظم أعمال الوزارة ستصدر في أنظمة وتعليمات، وهذا أمر نقدره لتسهيل اتخاذ القرارات وإجراءات التعديلات، ولكن الخوف أن يتم استغلال ذلك لغايات اتخاذ القرارات وتنفيذ المصالح، وهنا نقول إن نقلها وحصرها بالمجلس يؤكد المركزية ويقصي التشاركية من المعنيين في الميدان. وأما المادة (7) المتعلقة بتعزيز العلاقة بين المؤسسة التعلية والمجتمع المحلي فخصصت لتشكيل المجالس المحلية المدرسية والبرلمانية الطلابية ومجالس أولياء الأمور وتنفيذ الأنشطة التطوعية فجميعها ستصدر في تعليمات، وكان العلاقة تنحصر في هذه الأنشطة فقط علما بان هناك مجال العلاقة مع المجتمع المحلي والمجتمع بشكل عام لم تغب في القوانين التربوية التي تم تطويرها منذ قانون المعارف ، واما المادة (8) فهي تختص بالشروط الواجب على المدرسة الخاصة التقييد فيها في الالتزام بالفلسفة التعليمية والاطر العام والخاصة وتدريس البرامج الأجنبية بعد إقرارها من المجلس وتدريس اللغات في اية مرحلة مع ان القانون لم يفرد بند للإشراف عليها ومتابعتها وانما تحدث عن الاشراف والرقابة على المنصات والشبكات وغيرها. أما في مجال تشكيل مجلس التربية والتعليم والتنمية البشرية ومهامه في المادة ( 9/أ، و10) ، فيشير ذلك إلى تضخم شكلي وغياب لفعالية الأعضاء، حيث جرى الاعتماد في اختيارهم على مواقعهم كوزراء لا يعرفون عن سياسات ولا عن أهداف التعليم، وغاب عن التشكيلة التكنوقراط من التربويين، سواء من ذوي الخبرة في وزارة التعليم العالي والجامعات أو في وزارة التربية والتعليم، كما أن الية اجتماعات المجلس واجتماعه مرة كل ثلاثة أشهر، وفيه مثل هؤلاء الأعضاء يطرح تساؤلا كيف سيخططون لسياسات التعليم و توجيه التعليم العالي والعام، ونسبة الأكاديميين فيه مع الوزير في المجلس لا تتجاوز (25%)، ونسبة التربويين (صفر)، ونسبة من ليس لهم علاقة بالتعليم العام والعالي تصل (75%)؟ وبالتي ما هي آليات الاختيار لهم: فهل المقصود تطوير التعليم، أم تدميره من خلال اختيار اشخاص بعيدين كل البعد عن المهام التي توكل إليهم، كما يحدث في مختلف المؤسسات التي تآكلت بسبب الشللية والمحسوبية وغيرها من آفات الفساد وأدت إلى تراجعها، بل وفشلها. كما أن إنشاء مجلس للتربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية برئاسة رئيس الوزراء، الذي يرأس (31) وزارة وغيرها من المجالس والمؤسسات والصناديق، فضلا عن مهامه خارج الدولة، غير انشغاله بمجالس النواب والأعيان، وجولاته الميدانية، وحضوره المناسبات المختلفة، يطرح تساؤلا حول كيف سيكون لديه الوقت لرئاسة مثل هذا المجلس، إلا إذا كان "سوبر مان" او الاعتماد على حاسة الشم لإقرار الخطط وغيرها، ومع كل هذا تسند له مهام واسعة تشمل وضع السياسات، واعتماد الاستراتيجيات، والأطر العامة والخاصة، والكتب المدرسية، وأطر التقييم، وإنشاء مؤسسات، ووضع ضوابط، وتوزيع الدعم على الجامعات، ووضع أسس القبول الجامعي للطلبة، وتعيين مجالس أمناء للجامعات الحكومية والخاصة، والتراخيص، والإلغاء، وتشكيل اللجان، وغيرها الكثير من المهام.أما فيما يتعلق بمهام وزارة التعليم العالي ومجلس التعليم العالي، فقد تم القص واللصق كما هي، مع نقل بعض المهام لمجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، بدلاً من منح مزيد من الصلاحيات للجامعات. وهذا كله يثير تساؤلات حول القدرة الواقعية لأعضاء المجلس على التفرغ والخوض في تفاصيل فنية معقدة؛ فالتعليم العام والعالي قطاعان تخصصيان بطبيعتهما، وإدارتهما وتطوريها تتطلب خبرات تربوية وأكاديمية وطبيعة هذه المهام المسندة لهم مهام تربوية تعليمية وأكاديمية متخصصة، لا مجرد مواقع سياسية، او اصدار فتاوي، او سوق مبررات، او تطوير برمجية، فلا أعتقد أنهم قادرون على القيام بها، وهنا يطرح التساؤل: لماذا هذه التشكيلة؟ هل هي لضمان الشرعية في اتخاذ القرارات؟ كما أن تهميش اختيار الأمناء العامين، والتربويين، ورؤساء وأساتذة الجامعات أصحاب الخبراتـ وأصحاب الفكر والاتجاهات المختلفة، أعضاء في هذا المجلس كما كانت الفلسفة وراء تشكيلة مجلس التربية بغض النظر عن اليات اختيار الأشخاص فيه، أو أن مهامهم تكنوقراطية مجلس العليم العالي وليست سياسية فقط وللعلم كنت منذ سنوات أدعو إلى ضرورة تشكيل مجلس واحد للتعليم العام والعالي، ولكن ليس على هذه الشاكلة ولا لنفس الغايات والأهداف ولم أتصور ان يكون أعضائه مثل ذلك في اختصاصاتهم، لذا أعتقد أن هذا المجلس ولِد ميتا. وفيما يتعلق بتقسيم المراحل التعليمية في المادة (11)، فهي أيضا عودة إلى الوراء بلا فلسفة؛ إذ لا تحمل هذه المادة أي إضافة نوعية، بل تعيد إنتاج تقسيم المراحل التعليمية الذي كان سائدا في سبعينيات القرن الماضي (ابتدائي – إعدادي – ثانوي)، ثم استبدل بمتوسط، ودون تقديم مبررات تربوية أو دراسات مقارنة تفسر جدوى هذا الرجوع أو هذه المسميات كما أن إدراج مرحلة "التعليم المبكر "مع الصفوف الثلاثة الأولى دون الإشارة إلى اسم المرحلة، مثل مرحلة التعليم الأساسي يتناقض مع التجارب الدولية التي تفصل بوضوح بين التعليم قبل المدرسي والتعليم النظامي؛ حيث كانت في القانون الأصلي مرحلة لوحدها لإظهار أهميتها، ولم يجرِ عليها أي تغيير في القانون من حيث الإلزامية مثلا، وإنما تم إجراء عملية شكلية من خلال دمجها مع الصفوف الثلاثة الأولى، وإذا كان لا بد من الدمج، فلماذا لم يتم فصل الصف الرابع ودمجه مع هذه الصفوف لتكتمل الحلقة؟ والأخطر أيضا من ذلك هو شطب أهداف المراحل التعليمية من القانون، ولم يتم الإشارة إلى أنها ستصدر في نظام أو تعليمات على الأقل، رغم أن تحديد أهداف لكل مرحلة يعد من أبجديات التشريع التربوي؛ لأنه يوجه تأليف الأطر العامة للمناهج، والكتب، واستراتيجيات وأدوات التقويم والتقييم والتدريب، وإن حذف هذه الأهداف يفرغ التقسيم من معناه، ويجعل التغيير شكليا بحتا. كما تضمنت المادة تنظيم قبول الطلبة في الصف الأول، ودوام الطلبة، وقبول الطلبة غير النظاميين، وعملية التسريع، والطلبة المتفوقين، فقد ذكرت في القانون في المادة (11) ثم اعيد ذكرها في المادة (27) وغيرها من شؤون التعليم مثل قبول الدارسين في برامج التعليم النظامي وغير النظامي، وأيضا تسريع الطلبة ستصدر بناء على تعليمات، خلافا لما كان معمولا به سابقا، وكان من الأجدر ألا يشار في كل مادة إلا إلى أنها ستصدر، ثم يعاد ايرادها في مادة اخرى. كما أبدع معد مشروع القانون في المادة (12) في زيادة عدد أيام الدوام رقما بلا أثر، ظنا منه بأن هذه الـ(5) أيام مقارنة بالقانون السابق ستحدث فرقا في تجويد التعليم، وكأن أزمة التعليم تختزل في عدد الأيام لا في جودة التعلم، فالزيادة الزمنية، دون معالجة جوهرية للمناهج، وأساليب التدريس، وأداء المعلم، وبيئة المدرسة، تبقى إجراء عدديا لا أثر تربويا له، وقد تتحول إلى عبء إضافي على الطلبة والمعلمين والمدرسة والقائمين على الإدارة التربوية دون مردود تعليمي حقيقي، والغريب في الأمر أيضا أن التعليم عن بعد، والذي أصبح من التوجهات العالمية وبعيدا عن الظروف غير الاعتيادية، تم وضعه في نص مشروع القانون الجديد على أن للوزير إصدار قرار بالتحول إليه، بدل أن يكون من التوجهات الاستراتيجية.، وقد ذُكر في التعاريف لكنه أُغفل في المتن ليصار إلى إصداره بنظام، وبالتالي سيكون لدينا نظامان: أحدهما للتعليم الإلكتروني، والثاني للتعليم عن بعد مع العلم ان التعليم عن بعد هو شكل من اشكال التعليم الإلكتروني الذي يقدم في مكان وفي أي زمان . وقد غلبت الأنظمة على أعمال الوزارة كما ورد في مشروع القانون الجديد، حيث ستصدر بأنظمة تصل إلى (20) نظاما، أضف إليها (26) مجالًا وموضوعًا ومهمة ستصدر لها تعليمات، هذا غير الأسس التي ستصدر لاحقًا، والتي قد تصل إلى ضعف ذلك. وهذا من شأنه أن يكرّس سلطة إصدار الأنظمة والتعليمات بدل ضبطها تشريعيًا، ويفتح باب الاجتهادات والتناقض في التطبيق واستغلالها على حساب توظيف كلمة "المرونة" لتسهيل العبث وتمرير المصالح، ويجعل الحقوق والواجبات عرضة للتغيير الإداري المتكرر، خاصة في ظل غياب الشفافية والمتابعة والمساءلة والمحاسبة، على الرغم من أنها وُجدت لغايات تحديد الإجراءات وتسريع الإنجاز لتحقيق الأهداف. أما في المادة (13) مجال منح الشهادة الثانوية العامة، فقد تم حصرها في المسارين الأكاديمي أو المهني التقني، ولم يتم وضعه في نظام او تعليمات وكأن ذلك منزل لا يجوز تغييره، لذا وردت في القانون حتى يصعب تعديلها، ولم يشر إلى إمكانية إضافة مسارات في المستقبل، على الرغم من أن هذا الملف، كان منظما سابقا بفصول ومواد تفصيلية واضحة في القانون الأصلي وصدر لها تعليمات ، واما الجديد في مشروع القانون الجديد هو الإشارة إلى طريقة عقد الامتحان (ورقي أو إلكتروني)، وهي أمور تنظيمية كان الأولى معالجتها بنظام خاص للامتحانات لا إدراجها في نص القانون كما ان مهام اجراء الامتحانات أسندت للمركز الوطني للمناهج حسب نظامه فلم يرد في مشروع قانون للتربية والتعليم والموارد البشرية أي تنسيق عمهم في صياغة مواد امتحان الثانوية العامة والحديث عنها . وأما المناهج، فقد غابت تماما، لأنها أصبحت تابعة للمركز الوطني للمناهج، على الرغم من وجود إدارة للمناهج يبدو أنه سيتم إلغاؤها في الهيكل التنظيمي المرتقب، كما غابت معها آليات التقييم للمواد وضبط الامتحان، لأنها أصبحت من مهام المجلس. واما المحلل لمادة (14/ أ، ب) من مشروع القانون الجديد يجد تراجعا في التزام الوزارة بإنشاء صناديق الإسكان والضمان الاجتماعي والتكافل وأندية المعلمين؛ إذ كان في القانون الأصلي "تنشئ الوزارة"، بينما في القانون الجديد "للوزارة إنشاء..."، وهو تحول جوهري من الالتزام إلى الجواز، رغم أن الهدف منها ضمان الاستقرار المعيشي والمهني للمعلمين كما أن مشروع القانون لم يقدم تصورا مهنيا متكاملا لمهنة التعليم، ولم يربط التدريب والترقية بالأداء والتطوير الحقيقي، حتى وإن كانت موضوعات رتب المعلمين أو التدريب ستصدر في أنظمة، وهذا التحول يمثل تراجعا تشريعيا خطيرا، ويعكس ضعفا في تقدير دور المعلم بوصفه محور العملية التعليمية، ويجعل حقوقه رهينة لإرادة إدارية متغيرة، وعلى صعيد رصد الإيرادات الخاصة بالوزارة فقد تضمن مشروع القانون في المادة (15) فقد خصصت لإنشاء صندوق دعم الطالب وسيصدر بها نظام. واما المادة (16) والمتعلقة بضريبة المعارف فتم نقلها من القانون الأصلي مع تعديل طفيف يتعلق بتقييد المبالغ المحصلة في حساب وزارة المالية وهذا التعديل ذو طابع قانوني مالي إداري بحت، وينطبق أيضا على ماورد في المادة ( 19) المتعلقة بعوائد التعليم المهني، حيث نقلت هذه المادة من القانون الأصلي، لكن مع شطب الجزء المتعلق بتوزيع العوائد (50%) لتطوير التعليم المهني الإنتاجي (50% )مكافآت للطلبة والعاملين)، حيث أن هذا الشطب يضعف الحافز على التعليم المهني، ويتناقض مع الخطاب الرسمي الداعي إلى التعليم المهني ورفع نسب الالتحاق به ،وأيضا مشروع (بيتك)، الذي صدعت رؤوسنا به، وما زال يدرس نظريا، لذا فالتركيز على مثل ذلك يكشف لنا فجوة بين النص التشريعي والأهداف المعلنة، وهذا كله لا ينعكس على تطوير التعليم أو تحسين كفاءته، وكان يمكن معالجته بأنظمة مالية دون إدخاله ضمن صلب القانون. أما المادة (18، أ ، ب ) المتعلقة بالهيكلة الإدارية، فهي عودة إلى مركزية فاشلة؛ حيت تتعلق المادة بإنشاء مديريات التربية والتعليم على مستوى المحافظات فقط، وإلغاء المديريات على مستوى الألوية، وإنشاء مكاتب تابعة لمديريات المحافظات، يمثل عودة صريحة إلى نموذج مركزي بيروقراطي ثبت فشله في ثمانينيات القرن الماضي هذا التوجه سيزيد الأعباء الإدارية، ويستنزف الموارد البشرية والتقنية، ويتطلب تغييرات مكلفة في الهياكل الإدارية والفنية والمطبوعات والوثائق، دون أن يحقق تحسنا فعليا في الأداء، خاصة في ظل الظروف الديموغرافية والاقتصادية المعقدة الحالية، ومن المؤكد أنه سيفشل مرة أخرى، كما فشلت تجربة توزيع الموارد البشرية على وزارات ومؤسسات سابقة فشلت ، وستفشل هذه المرة أيضا فشلا أكبر. كما أن الأمر الغريب أنه لا توجد أية إشارة إلى الهيكل التنظيمي لمركز الوزارة، والذي سيكون مقتصرا على عدد قليل من الإدارات كما سرب بتعيين (4) اماء لمرحلة الطفولة والتعليم متوسط والتعليم الثانوي والتعليم المهني الذي غاب عن القانون باستثناء ماورد في شهادة الثانوية العامة ومسارات التعليم، وأيضا الإشارة الوحيدة للإدارات كانت في مادة (25) من مواد مشروع القانون، والتي تتحدث عن تفويض الصلاحيات للأمناء ومديري الإدارات ومديري التربية والتعليم. كما تضمن مشروع القانون الجديد في المدة (20) على التعليم الإضافي، وهو تكريس الواقع لا إصلاحه، حيث أشار القانون إلى الاستعانة بمعلمين من خارج الوزارة للتعليم الإضافي، وهو تنظيم كان قائما سابقا بتعليمات ويعد إدراجه في القانون تكريس للمشكلة المتمثلة في نقص التعيينات بوصفه خيارا دائما على حساب الاستقرار الوظيفي وجودة التعليم. وفي المادة (21) فقد تضمنت الإشارة إلى إمكانية عمل الوزارة لمحطات تقويمية وتركت كخيار، مع أنها كانت تنفيذ على شكل اختبارات وطنية لبعض الصفوف وبعض المواد، وهي أقرب لذلك، ولكن المتتبع لما تم حذفه او اضافته في مشروع القانون وخاصة في مراحل التعليم وشطب أهدافها يلاحظ إن محطات الرحلة التعليمية للطالب أصبحت غير متماسكة وغير بنائية، أي لا يوجد ربط فعلي بين التعليم العام والمسارات المهنية والتقنية، وهذا يضعف الإطار التشريعي لأهم رحلة تعليمية في حياة الطالب. والشيء الملفت في مشروع القانون أن الوزارة الجديدة أيضا نصت في المادة (22) على ان الوزارة ستحدد بدلات الخدمات التي تقدمها بما فيها شهادات التدريب وستصدرها في نظام ولم يتضح هل ستقوم الوزارة بتنفيذ برامج تدريبية مقابل أجر، وتتحول من وظيفة عامة إلى خدمة مدفوعة وتنافس القطاع الخاص، وهو توجه يطرح تساؤلات حول دور الوزارة: هل هي جهة تنظيم وتطوير ومزود خدمات للمعلمين، أم ماذا؟ أو أنها ستعمل على منافسة للقطاع الخاص والمؤسسات الأخرى، كما أن غياب معايير واضحة للتسعير والجودة والمساءلة يفتح الباب لاختلال العدالة في الوصول لهذه الخدمات. أما بقية مواد القانون (23-29)، فهي عبارة عن مواد تجميع ورثة الوزارات، ونقل الموظفين إلى وزارات أخرى، وتغيير اسم الوزارة والوزير والمجالس والتفويض وإصدار الأنظمة والتعليمات، وإلغاء القانون الأصلي، وتكليف الوزراء بتنفيذ أحكام القانون الجديد. وبنظرة عامة، فإن هذه التعديلات لا تمثل إصلاحا تشريعيا، وانما هو قانون إدارة تعليم، وليس إصلاح تعليم، لأنه لم يقدم فلسفة أو سياسات أو أهداف تربوية تعليمية، أو أي تغيير حقيقي في فلسفة التقويم، بل كرس القائم فكيف له أن يواكب ويستجيب للمتغيرات، واعتمد على إعادة ترتيب شكلية لنصوص قائمة، تهدف إلى إظهار قانون جديد دون معالجة جوهرية لأزمات التعليم، أو تنمية الموارد البشرية، أو ربط التعليم بإنتاج المعرفة، ولم يضع المعلم في مركز الاهتمام والإصلاح لأنه حجر الأساس في التعليم، ولم يبين دور ومهام التعليم المدرسي والتعليم العالي والتدريب المهني بدقة فهي تغير العناوين، واعادة توزيع المواد، وفصل مواد ، لكنها لا تغير الواقع، ولا تحسن المخرجات التعليمية، ولم تقدم رؤية وطنية واضحة للتعليم في القرن الحادي والعشرين، ولم تربط التعليم ربطا حقيقيا بمنظومة التنمية الاقتصادية أو سوق العمل، ولم ولن تبن نظاما تعليميا أكثر عدالة أو جودة، حتى وإن اتكأت مبررات الدمج على الرؤية الملكية للإصلاح، لا سيما أن الرؤية الملكية تريد إصلاحا حقيقيا يقاس بالأثر، وهذه التعديلات تظل بعيدة عن تحقيقه، ولا تنشئ نظاما جديدا للتربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، بل تعيد إنتاج المنظومة ذاتها بصياغة مختلفة، مع تحميلها اسما أوسع من قدرتها الفعلية لذا، ومن هنا أرى أن مشروع القانون الجديد بلا تنمية، كما أنه إصلاح بلا أثر، وإن إعادة الهيكلة أو استحداث وزارة باسم أنيق لا يعد إصلاحا بحد ذاته ما لم يلامس جوهر الإشكاليات القائمة؛ فتنمية الموارد البشرية لم تتجاوز في هذا القانون حدود التسمية، والتعليم لم يشهد نقلة نوعية في الفلسفة أو السياسات أو الأدوات. فتحسين جودة التعليم لا يتحقق بتضخيم الهياكل، ولا بإعادة تدوير تجارب فاشلة كما لا يعدو القانون كونه مجرد تغيير في الشكل، ويفتقر إلى جوهر الحلول الفعالة لجوهر التعليم نفسه، وهروب من إصلاح جوهره فالإصلاح الحقيقي يبدأ من المعلم، ويعزز البحث العلمي، ويقيم شراكة مؤسسية متكاملة، ويستند إلى تشريع يقاس نجاحه بالأثر لا بالعناوين. * الكاتب خبير تربوي ومدير إدارة التخطيط في وزارة التربية والتعليم سابقا.