ثمّة خطأٌ يتكرّر كلّما طُرحت قوانين و/أو تعديلات على قولنينٍ تمسّ حُقوق المواطنين، وعلى رأسها الحُقوق الماليّة وحُقوق الرأي والتّعبير، ألا وهو أنَّ مُناقَشة هذه القوانين و/أو التّعديلات تتمّم كما لو أنّها شأنٌ فرديّ صرف، لا قضيةً عامة تمسّ صلب العقد الاجتماعي. ففي هذه الأيّام، وحولَ التعديلات الّتي طالَت قانون الضّمان الإجتماعيّ، أتابعُ ردود الفعل، فأجدُ السؤال الأكثر حضورًا: كم سأخسر أنا؟ هل سيتأثر راتبي التقاعديّ؟ هل سأُجبَر على سنواتٍ عمل إضافيّة؟ هل أنا مِن ضمنِ الفئاتِ المُستهدَفة؟ وحقيقةً، ودونَ أيّ شك، كُلّ هذه الأسئلة، هي أسئلةٌ مشروعة، لكنّها تُعاني مِن قُصورٍ كبير ؛ وذلك لعدَم استكمالها بأسئلةٍ أوسَع، مِن مثِل : ماذا تعني هذه التّعديلات لمسار الحماية الاجتماعيّة في البلد؟ وأيّ فلسفةٍ اقتصاديّة واجتماعيّة تقف خلفها؟ بداية، لا بُدَّ مِن التأكيد على ضرورَة العِلم بأنَّ الضمان الاجتماعي ليس صُندوقًا ادخاريًا خاصًا بكُلّ مشترك، وإنّما هو نظامٌ تضامُنيّ، يقوم على توزيع المخاطِر بين الأجيال والفئات. فهو فكرة سياسية قبل أن يكون مُعادلة حسابية. وبالتّالي، فإنّنا حينما نكون أمامَ تعديلاتٍ على شُروط الاستحقاق، أو تُغيَّر نسب الاقتطاع، أو تغييرِ سنّ التقاعد ؛ فإننا لا نكون أمام إجراءاتٍ تقنيّة معزولة، بل أمامَ إعادة صياغةٍ لمُعادلةِ العلاقة بين الدولة والمواطن. وحينها، يجِب ألّا يكون هُناك سؤال واحد فقط: هل سيكون تقاعدي أقلّ؟ وإنّما أسئلة مُتعدّدة إلى جانبه : هل تتراجع مظلّة الحماية؟ هل يُنقل عبء المخاطر من الحُكومة إلى الفرد تدريجيًا؟ هل يجري التعامُل مع الضمان كحقٍّ اجتماعي أم كعبءٍ مالي ينبغي تقليصه؟ وهذا ما لَم ألحَظهُ في ردّة الفعِل الشعبيّة. إذ كاَن أبرَز ما لفتَ إنتباهي في ردّة الفعل الشعبية، أنّها، في أغلبها، جاءت مجزّأة ؛ غضبٌ هُنا، ومنشورٌ هناك، ثم يعود كلّ شيءٍ إلى رتابته. لا نقاشٌ عام معمّق، لا قراءة جماعيّة للنصوص، ولا مُساءلة منهجيّة للآثار بعيدة المدى. وكأنّ كلّ فئة تنتظر أن ترى إن كانت مستهدَفة مباشرة. فإن لم تكن، آثرت الصمت، وقرّرت تركَ الدّلاءَ في البئر. والأكثَر سوءًا من ذلك، أنّ بعض الأحزاب السياسيّة -الّتي جيءَ بها ظن أجلِ مشروع الإصلاح الحقيقيّ- تُداهِن الحكومة. فبدلًا من رفضها المُطلَق لهذه التّعديلات، الّتي لا تصُب بصالحِ أيّ مِن مُشتركي الضّمان، راحَت، وبطريقةٍ غير مُباشِرة، تثيّت دعائمَ هذه التّعديلات. إذ دعَت إلى "قراءة هذه التعديلات قراءة هادئة". وحقيقةً، ليسَ لها مِن كُلّ ذلك، إلّا أن تثبّتَ علاقتها مع أحدِ أعضاء الحكومة، المسؤول بالدّرجةِ الأُولى عن هذا الملفّ الشّائك، الّذي يُعاني مِن تيهٍ كبير. على كُلٍّ، وبعيدًا عن الأحزاب، هذه الفردانيّة في تلقّي التّعديلات هي أخطر ما فيها ؛ لأنّها تمنح أيّ تغييرٍ مُثيرٍ للجدل فرصة المرور بهدوء، ما دام لم يمسّ الجميع دفعةً واحدة. وهُنا، أنا لا أكتب إلّا بدافعِ القلق. القلق من تحوّل الضّمان إلى ملفّ تقنيّ يُدار بلغة الأرقام وحدها، بعيدًا عن لغة الحقوق والعدالة. نعم، الإصلاح المالي قد يكون ضروريًا، رغمَ علمنا بالجهاتِ الّتي لا تتوقّف عن تكسيرِ أركانِ الضّمان، وكُلّ الصناديق الماليّة في البلاد. لكن، الإصلاح لا يُقاس فقط بتوازن الحسابات، بل أيضًا بميزان العدالة الاجتماعية. وإذا كان ثمّة عجز أو اختلال، فالمطلوب، أن تُعقد نقاشات شفافة حول أسبابه وحلوله، لا أن يُختزل الأمر في تحميل المشتركين كلفةً إضافية دون إشراكهم في فهم الصورة الكاملة. الحقوق لا تُسلب فجأة، فهي تتآكل بالتدرُّج. وما يبدو اليوم تعديلًا محدودًا قد يتحوّل غدًا إلى قاعدةٍ جديدة تُبنى عليها تعديلات أخرى. لذلك، فإنّ الدفاعَ عن الضمان الاجتماعي ليس دفاعًا عن امتيازات، بل عن فكرة "الأمان الاجتماعي" نفسها. هو دفاعٌ عن حقّ العامل في شيخوخةٍ كريمة، وعن حقّ الأسرة في حدٍّ أدنى من الاستقرار حين تنقطع القدرة على الكسب. أؤمن أنّ المطلوبَ اليوم تحرّكٌ جماعيّ واعٍ، لا صاخب. تحرّك يقوم على القراءة الدقيقة، وعلى الحوار المُنظَّم، وعلى المُطالبة بالشفافيّة والمُحاسبة، ضمن الأُطر القانونيّة والمدنية. وخِتامًا، المطلوب أن يتحوّل النقاش من "أنا" إلى "نحن"، ومن ردّة فعل آنيّة إلى موقفٍ مُجتمعيٍّ مُستدام. فحين يدرِك النّاس أنّ ما يجمعهم في هذا الملف أكبر مما يفرّّقهم، يمكن عندها فقط أن يتوقّف نزيف الحقوق، ويُعاد الاعتبار لفكرة التضامُن التي من أجلها وُجد الضمان الاجتماعي أصلًا. .