الخلافة الراشدة، التي امتدت من عام 632 م إلى 661 م، تعتبر العصر الذهبي للإسلام. خلال هذه الفترة، شهدت الدولة الإسلامية توسعًا كبيرًا وازدهارًا في مختلف المجالات، بما في ذلك العلوم والفنون والعمارة. يتميز هذا العصر بالعدل والمساواة والالتزام بتعاليم الإسلام، مما جعله نموذجًا يحتذى به في الحكم والإدارة. تاريخ الخلفاء الراشدين: عصر من العدل والازدهار الحديث عن الخلفاء الراشدين يعيدنا إلى العصر الإسلامي الأول، الذي وصفه النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من أفضل العصور وأكثرها عدلاً. بالفعل، كانت هذه الفترة التي عاشها المسلمون تحت الحكم الإسلامي الراشد فترة رخاء وازدهار وعدل بين الناس. في هذا المقال، سنتحدث عن هذه الحقبة التاريخية المضيئة من تاريخنا الإسلامي، فترة الخلافة الراشدة. خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، اجتمع أمر المسلمين في مجالس الشورى وعند أهل الحل والعقد على اختيار صاحب النبي في الغار، وأول من آمن به من الرجال، وصديقه في كل الأمور، وهو أبو بكر الملقب بالصديق رضي الله عنه. وكان هذا الأمر في السنة الحادية عشرة للهجرة. واجه الصديق رضي الله عنه أزمة عظيمة بعد أن تولى خلافة الأمة، تركزت في ردة بعض قبائل العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. فشن عليهم حروبًا ضارية أقام فيها حكم الله فيهم، ورد شاردهم عن نار الكفر، وقضى على باغيهم ودعاة الفتنة بينهم. استمرت خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قرابة العامين، من ربيع الأول للسنة الحادية عشرة للهجرة وحتى جمادى الآخرة في السنة الثالثة عشرة للهجرة. أبرز الأحداث في عهد أبي بكر الصديق إنفاذ بعث أسامة بن زيد: جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا لغزو الروم بالبلقاء وفلسطين، وفي هذا الجيش كبار المهاجرين والأنصار. وقد تجهز هذا الجيش قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيومين، وجعل أسامة بن زيد قائدًا على الجيش، وأمر الجيش بالسمع والطاعة له. وبعد وفاة النبي، أمر أبو بكر الصديق بتحريك هذا الجيش وإنفاذ البعث كما وصى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، على الرغم من معارضة البعض لحماية المدينة من هجوم الأعراب والمرتدين وأصحاب الغدر والانقلاب. حروب الردة: شهدت الجزيرة العربية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ردة في بعض القبائل قادها رموز الكفر والضلال، على رأسهم مسيلمة الكذاب في اليمامة، والأسود العنسي في اليمن، والمرأة التي تدعى سجاح من بني تميم. وقد ساهم خالد بن الوليد في قمع المرتدين في اليمامة وغيرها. جمع القرآن الكريم: كان الجمع الأول للقرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق، حين كثر قتلى الحفاظ للقرآن، وذلك بعد مشورة عمر رضي الله عنه لأبي بكر الصديق في ذلك الأمر. خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بايع المسلمون بعد وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه عمر بن الخطاب، وذلك بالمشورة واقتراح أبي بكر حين حضره مرض الموت. فتسلم عمر بن الخطاب الملقب بالفاروق وأمير المؤمنين الخلافة. ويقترن اسم عمر رضي الله عنه قبل الخلافة بالشدة وبعد الخلافة باللين والرفق والعدل. فإذا ذكر العدل ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لم يكن عمر بن الخطاب ذو ميزة عن بقية المؤمنين، بل كان أقلهم حظًا من الدنيا وأزهدهم فيها. واشتهرت فترته بكثرة الفتوحات الإسلامية، ولعل من أبرزها فتح القدس على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنفسه، فكانت سلامًا منه على أهلها وعهدًا آمنًا عادلاً كعدله وقسطه. استمرت خلافة عمر رضي الله عنه عشر سنوات حتى السنة الثالثة والعشرين للهجرة، حين استشهد في محرابه على يد أبي لؤلؤة المجوسي عليه لعنة الله. أبرز الأحداث في عهد عمر بن الخطاب الفتوحات الإسلامية: شملت فتح بلاد الشام في معركة اليرموك الفاصلة مع الروم، وفتح أجنادين، وفتح بيت المقدس، وفتح مصر والإسكندرية، وفتح دمشق، والفتوحات في بلاد الفرس حيث كانت معركة القادسية الحاسمة. القضاء الإسلامي: اشتهر بالعدل زمن عمر رضي الله عنه، بحيث إن النائم في البرية لا يخشى أحدًا إلا الله. خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه كان أمر الخلافة بعد عمر رضي الله عنه لعثمان بن عفان، المعروف بذي النورين لزواجه من ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية وأم كلثوم رضي الله عنهما. وقد كان رضي الله عنه مشهورًا بالحياء، وكانت الملائكة تستحي من عثمان رضي الله عنه. توفي رضي الله عنه في السنة الخامسة والثلاثين للهجرة في شهر ذي الحجة. أبرز الأحداث في عهد عثمان استكمال الفتوحات الإسلامية: استكمل رضي الله عنه الفتوحات الإسلامية التي كانت في عهد عمر رضي الله عنه، فقد كان فتح قبرص حين ركب المسلمون لأول مرة البحر، وذلك بعد إنشاء أسطول بحري بفكرة من معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. الجمع الثاني للقرآن الكريم: بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أجمع المسلمين على مصحف كان قد أخذ نسخة منه من أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، ووزعه على الأمصار حتى لا تختلف الناس في كتاب الله بسبب اختلاف ألسنتهم ودخول غير العرب من العجم في دين الله. الفتنة والانقلاب على الحكم الراشد: بأصابع يهودية كان قد تولى كبرها أحد كبار المنافقين الذين تلبسوا بثوب الإسلام وهو عبد الله بن سبأ اليهودي، وهو من يهود اليمن. فأوهم الناس بالإسلام وأخذ يحرّضهم على خلع الخليفة ويضع الإشاعات ويطعن في نزاهة الخليفة، حتى تكالب الناس وظهر الخوارج في الفكر والعقيدة، والذين قاموا بحصار بيت الخلافة وتهديد الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه بالقتل، حتى قتلوه رضي الله عنه وهو يقرأ القرآن شهيدًا في جنات الخلد بإذن الله. خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه تولى علي بن أبي طالب الخلافة بعد عثمان رضي الله عنه. وقد واجه علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوى شد عكسية نتيجة ظهور أصحاب الفتنة في المدينة، الذين قاموا بتوجيه الرأي العام في المدينة المنورة باتجاه القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، وهي كلمة حق يراد بها الباطل. وكانت سببًا في انشقاق صفوف المسلمين بين مؤيد لهذا الرأي ومؤيد لرأي أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في التريث حتى تهدأ الأوضاع وينتقم من القتلة. الفتنة بين الصحابة الكرام: حصل القتال بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجيش الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. ولم تكن وراء هذه الحرب أية دوافع دنيوية بقدر ما كانت حرصًا من كل طرف على أنه صاحب الحق في رد الآخر إلى جادة الصواب، كما كان اعتقاد أهل الشام بضرورة القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه على يد الخليفة علي بن أبي طالب. فكانت معركة صفين والتي انتهت بالتحكيم بين الطرفين. ظهور الخوارج: بعد التحكيم الذي جرى في معركة صفين، ظهر الخوارج وهم أصحاب أفكار سقيمة وعقول متحجرة لا يستقيم لها الفهم، أصحاب تشدد في الرأي، حيث قالوا بتكفير علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبتكفير معاوية بن أبي سفيان. فقاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه لعظيم خطر هذه الطائفة المنحرفة. استشهاد علي رضي الله عنه: استشهد علي رضي الله عنه على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وهو من أحد الخوارج، في رمضان في السنة الأربعين للهجرة. لتكون الخلافة من بعده لابنه الحسن الذي أتم الله به الخلافة الراشدة لتكون ثلاثين سنة كما أخبر بها نبينا صلى الله عليه وسلم. وقد تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه بالخلافة لمعاوية بن ابي سفيان رضي الله عنه ليجمع المسلمين على أمر واحد فلا يختلفوا ولا يتنازعوا، حيث كان هذا العام الذي تنازل به الحسن بن علي رضي الله عنه يعرف بعام الجماعة. الخلاصة تمثل فترة الخلفاء الراشدين فترة ذهبية في تاريخ الإسلام، حيث تجسدت فيها قيم العدل والمساواة والالتزام بتعاليم الدين. وقد شهدت هذه الفترة توسعًا كبيرًا في الدولة الإسلامية وازدهارًا في مختلف المجالات. على الرغم من التحديات والصراعات التي واجهت الخلفاء الراشدين، إلا أنهم تمكنوا من الحفاظ على وحدة الأمة وتطبيق الشريعة الإسلامية. .