مرّ ما يقارب 299 عاماً منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى، ولا تزال قيمها الراسخة حاضرة في الوعي التاريخي والاجتماعي، متجلية في الاعتزاز بالجذور العريقة للدولة وإعادة استذكار تأسيسها على يد الإمام محمد بن سعود في الجزيرة العربية، التي لم تعرف وحدة سياسية منذ أكثر من ألف عام.واستند الإمام محمد بن سعود، وأبناؤه من بعده، في تأسيس الدولة على آليات القوة الناعمة، والتي مكّنته من بناء كيان مستقر متين رغم التحديات الكبيرة التي واجهتها الدرعية في ذلك العصر، بما في ذلك ضعف البنية السياسية والأمنية وانتشار الأمراض. وقد نجح الإمام محمد في تجاوز هذه العقبات بفضل رؤيته القائمة على التوحيد الاجتماعي، وتعزيز الشرعية، وتنمية الموارد المحلية، واستمر أبناؤه على ذات النهج في المحافظة على الالتزام بتنمية الدرعية في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، بما يعكس إستراتيجية الدولة في تعزيز استقرارها وتوسيع نفوذها داخلياً وخارجياً عبر أدوات القوة الناعمة.وتُعدّ القوى الناعمة من أبرز العوامل التي أسهمت في استقرار الدولة السعودية الأولى واتساع نفوذها، حيث كان تأثيرها واضحاً في توحيد معظم مناطقها وتعزيز تماسكها الداخلي، فقد اهتمت الدولة اهتماماً كبيراً بتعزيز الوحدة الاجتماعية، إذ سعت إلى جمع شتات القبائل وتوحيدها تحت قيادة واحدة، مما أسهم في تحقيق الاستقرار وترسيخ روح الانتماء. كما ارتكزت سياستها على نشر العدل وتطبيق الشريعة وتوفير الأمن في المدن والطرق، ولا سيما طرق الحج، الأمر الذي أكسبها سمعة إيجابية وهيبة معنوية في الجزيرة العربية.أضف إلى ذلك حرص أئمة الدولة، على تنظيم شؤون القضاء، مما عزّز الاستقرار الداخلي. وانعكس هذا الأمن على عاصمة الدولة الدرعية، التي أصبحت من أهم المحطات التجارية، نظراً لموقعها الإستراتيجي على وادي حنيفة، وتوافر المياه والموارد فيها. وقد أدى انتشار الأمن إلى جذب القوافل التجارية وطلبة العلم، مما نشّط الحركة الاقتصادية والعلمية. وفي السياق ذاته، يعد الاهتمام بالعلم ونشره من أبرز مظاهر القوة الناعمة؛ إذ أصبحت الدرعية مقصداً لطلبة العلم من مختلف المناطق.وفي الإطار الاجتماعي شكّلت الأوقاف والأعمال الخيرية امتداداً لمنظومة دينية وأخلاقية قائمة على التكافل والصدقة وكفالة الضعفاء، مما عمّق الروابط الاجتماعية ورسّخ قيم التراحم بين أفراد المجتمع، كما أسهم انتشار الثقافة ووحدة العادات والتقاليد في تعزيز الهوية الجامعة، إذ شكّلت المنظومة القيمية المشتركة نطاقاً مرجعياً ينظّم العلاقات الاجتماعية ويضبط السلوك العام داخل المجتمع. فقد أسهمت وحدة الممارسات اليومية، من أنماط العيش والعلاقات القبلية إلى الأعراف الاجتماعية وأساليب التكافل، في بناء حالة من الانسجام المجتمعي قلّصت من أسباب النزاع، وعزّزت روح التعاون بين الأفراد والجماعات. وفي مجمل القول، تجلت القوة الناعمة في عهد التأسيس في الموقع الإستراتيجي للدرعية، ومكانتها العلمية، والوحدة القبلية والاجتماعية، والعدل وتنظيم القضاء، والاهتمام بالعلم والأوقاف، وهي مرتكزات أسهمت في بناء دولة راسخة استمر أثرها إلى وقتنا الحاضر.وبناء على ما سبق، يتبين أن القوة الناعمة في عهد التأسيس لم تقتصر على كونها وسائل داعمة لقيام الدولة، بل شكّلت إطاراً إستراتيجياً متكاملاً لعملية البناء السياسي والاجتماعي؛ إذ تفاعلت عناصر الجغرافيا، والمعرفة، وترسيخ العدالة، وتعزيز الوحدة الاجتماعية ضمن منظومة واحدة أسهمت في إرساء دعائم الدولة وتثبيت استقرارها.