في لحظةٍ إقليميةٍ تبدو حاسمة؛ يقف العالم مترقباً مسار التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، فيما تتقدم المفاوضات الأمريكية الإيرانية على إيقاع التصريحات من جهة وطبول الحرب من جهة أخرى، في موقف لا يخلو من الغموض والحسابات المعقدة، غير أن استشراف المآلات يبدو أقرب إلى المغامرة التحليلية، في ظل ضخ عسكري أمريكي كثيف يعيد تشكيل مشهد الردع في المنطقة، فالانتشار الأمريكي في الشرق الأوسط مصمم ليكون مرناً وقابلاً للتصعيد السريع وبنية ردع متكاملة: قواعد ثابتة، قوة بحرية متحركة، تفوق جوي، ومظلة دفاع صاروخي. لكن تحويل هذه الجاهزية إلى عمل عسكري واسع يظل رهناً بقرار سياسي في واشنطن، وبحسابات معقدة تتعلق بأمن الممرات البحرية، وكلفة الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تبعث برسائل قوة تتجاوز طاولة التفاوض وبين لغة الدبلوماسية وصوت المحركات النفاثة، يتعذر الجزم: هل نحن أمام تسويةٍ وشيكة، أم إعادة تموضع تمهد لمرحلة أشد تعقيداً؟في كل مرة تعود فيها التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى الواجهة، تتكشف طبقات معقدة من الصراع تتجاوز الشعارات السياسية إلى حسابات النفوذ والأمن والردع، فالعلاقة بين الطرفين لم تُبنَ على الثقة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، بل تشكلت ضمن مسار تصاعدي من العقوبات والردود غير المباشرة، وصولاً إلى مواجهات بالوكالة في ساحات متعددة من الإقليم.ترتكز الأزمة على ثلاثة محاور رئيسة: البرنامج النووي الإيراني وما يثيره من هواجس غربية بشأن نسب التخصيب والرقابة الدولية، والتمدد الإقليمي عبر أذرع عسكرية في عدد من الدول العربية، وأخيراً أمن الملاحة في الممرات البحرية الحساسة. هذه الملفات تداخلت مع سياق دولي متوتر، حيث تتشابك حرب غزة وملف حزب الله، وأمن الطاقة، وصراع الممرات الإستراتيجية، لتجعل من أي شرارة احتمالاً مفتوحاً لتصعيد أوسع، في مناخ تبرز فيه وساطة عمانية لاحتواء الانفجار كحراك ينطوي على إدراك خليجي بأن الانزلاق إلى مواجهة مباشرة سيحمل أثماناً باهظة على الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة.الشروط الأمريكية المطروحة لإنهاء الأزمة واضحة وتتمحور حول ثلاثة تنازلات، وقف تخصيب اليورانيوم والعودة إلى قيود صارمة يمكن التحقق منها دولياً، ثانياً كبح دعم الجماعات المسلحة في الإقليم ووقف الهجمات التي تستهدف المصالح الأمريكية وحلفاءها مع ضمان حرية الملاحة في الخليج وبحر العرب، وتأمين الممرات الحيوية التي يمر عبرها جزء كبير من تجارة العالم، وثالثاً إيقاف البرنامج الصاروخي الباليستي.انعكاسات التوتر تتجاوز حدود الطرفين في الواقع، وأي اضطراب في مضيق هرمز أو البحر الأحمر ينعكس فوراً على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وثقة الأسواق، ودول المنطقة تجد نفسها اليوم أمام معادلة دقيقة: احتواء التصعيد مع الحفاظ على توازناتها الإستراتيجية، وضمان أمنها واستقرارها من المهددات المتنامية!العالم يترقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي يعيد ترتيب أوراق التفاوض بينما يبقي خيارات الضغط كافة مطروحة، والمشهد الآني يقف عند حافة مفصلية؛ طاولة التفاوض جاهزة، والملفات مفتوحة، غير أن احتمالات المواجهة تظل حاضرة في خلفية الصورة والحشد العسكري الأمريكي أقرب إلى الزناد من أي وقت آخر، أما التعبئة الإسرائيلية فحدّث ولا حرج، كل ذلك في مشهد تلتقي فيه الدبلوماسية مع شبح الحرب في لحظة دولية متناقضة مشحونة بالحذر والانتظار!