العالم لم يعد قرية صغيرة، بل ساحة صراع ممتدة ومتسعة. عهد العولمة انتهى على يد إدارة الرئيس ترمب. فكرة التكامل الإقليمي والدولي، كبديل عملي عن حركة الصراع على مسرح السياسة الدولية، لم تعد لها وجود. أكبر قيمة في عالم الاقتصاد السياسي الليبرالي، التي تحددها عبارة دعه يعمل دعه يمر، لم تعد ذات معنى عند من يزعمون أنهم رواد الليبرالية الاقتصادية في العالم.الرئيس ترمب أحيا من جديد فكرة الممارسة الماركينتالية التقليدية، التي عفا عليها الزمن، لتعود تتحكم في حركة التجارة الدولية. عندما تأخذ رائدة الرأسمالية العالمية، باستراتيجية حمائية شرسة، فعلى اقتصاد العالم السلام. صحيح الولايات المتحدة هي أكبر اقتصاد في العالم. كما أن بالولايات أكبر سوق عالمية. عملة الولايات المتحدة (الدولار)، هي عملة أممية، تقاس بها أسعار معظم السلع والخدمات على مستوى العالم، بالذات النفط.. وتشكل أهم الأصول النقدية لمعظم دول العالم. كما أن الولايات المتحدة تتمتع بميزة تنافسية في كثير من المنتجات الصناعية والزراعية والخدمية، بما لا تتمتع به الكثير من دول العالم. يتمتع المصرف الفيدرالي بسلطة أممية مهيمنة على الاقتصاد العالمي.هذه القوة الاقتصادية الجبارة الناعمة تجعل قوة واشنطن الصلبة (الاستراتيجية)، بشقيها التقليدي وغير التقليدي، عديمة الحاجة إليها. يكفي وزارة الخزانة أن تفرض مقاطعة على دولة ما، لتشل تلك الدولة اقتصادياً. بل إن جبروت وزارة الخزانة الأمريكية يمكن أن يطال أطرافاً طبيعيين واعتباريين، ليست لهم أية سمة سياسية مباشرة، بوضعهم في القوائم السوداء، وتجبر بنوك العالم، بما فيها بنوكهم المحلية، على عدم التعامل معهم وتجميد أموالهم، إلى ما لا نهاية.لكن مكانة الولايات المتحدة المهيمنة هذه كانت وما زالت تعتمد على السياسة الاقتصادية الليبرالية التداخلية، التي اتّبعتها الولايات المتحدة، طوال العقود الثمانية الماضية، أكثر منه تعبيراً عن متانة وقوة الاقتصاد الأمريكي. الولايات المتحدة هي أكثر دول العالم مديونية، تعتمد في دعم ميزانيتها الفيدرالية على إصدار سندات بالدولار الأمريكي، لتتراكم مديونيتها الخارجية. لو عجزت أو تأخرت مرة واحدة عن دفع فوائد السندات التي تصدرها فإن الثقة في الدولار تنهار.ثم إن قوة الاقتصاد الأمريكي ترجع بصورة أساسية لأجواء الحرية الاقتصادية، التي سادت العلاقات التجارية، خلال عهد طويل من الحد من السياسات الحمائية. فتح الحدود وحرية حركة رؤوس الأموال وعقد اتفاقات التكامل الاقتصادي والتأكيد على مبدأ الميزة التنافسية للوصول إلى أسعار عادلة للمنتجات السلعية والخدمية في السوق العالمية، قاد إلى ما عُرف بعهد العولمة. كل تلك المتغيرات، التي لا علاقة لها مباشرة بالاقتصاد الأمريكي، ساهمت في تعزيز المكانة المهيمنة الرفيعة للاقتصاد الأمريكي.حدث التحول الكبير في الفكر والممارسة الاقتصادية الأمريكية عندما رفعت إدارة الرئيس ترمب شعار أمريكا أولاً. هذا الشعار الشعبوي يعني العودة للعزلة، ونبذ تاريخ طويل من التداخلية في السياسة الخارجية الأمريكية. يعني ثانياً: العودة للحمائية التجارية، منهيةً تاريخاً طويلاً من الليبرالية الاقتصادية سادت الاقتصاد العالمي، برعاية أمريكية في المقام الأول. من بداية ولايته الثانية أعلن الرئيس ترمب حرباً تجارية عالمية، ضد معظم دول العالم، إن لم تكن كلها، بفرض حزمة من التعرفات الجمركية تراوحت بين ١٥٪ و١٠٠٪ على الواردات الأمريكية، لكثير من السلع والخدمات.حرب التعريفات الجمركية هذه تستند إلى متغيرات اقتصادية، ليست بعيدة عن تطلعات سياسية توسعية. أولاً: الرئيس ترمب يستند إلى كِبَر وتنوع السوق الأمريكي، زاعماً أن العالم استغل مبدأ الحرية الاقتصادية، لسرقة الولايات المتحدة. ثانياً: أن حلفاء أمريكا التقليديين في العالم استنزفوا ثروة الشعب الأمريكي، بالاعتماد كلياً على المظلة الأمنية الأمريكية. ثالثاً: كل ما تطلبه الولايات المتحدة هو تحقيق أجواء «عادلة» في حركة التجارة الدولية، لا استمرار الظلم لأمريكا، باستغلال سوقها الكبير، واتباع البعض سياسات حمائية ضد السلع الأمريكية وتعمد البعض خفض عملاتهم، لزيادة صادراتهم للولايات المتحدة. رابعاً: استراتيجية حرب التعريفات قامت على تقدير خاطئ من أن زيادة التعريفات على الواردات لن تضير كثيراً أو طويلاً المستهلك الأمريكي، ولا يقوى أي اقتصاد خارجي على تحديها أو مجاراتها.لكن في حقيقة الأمر: ارتدت استراتيجية التعريفات الجمركية سلباً على الاقتصاد الأمريكي. الكثيرون يرون في التعريفات الجمركية ضرائب غير مباشرة على المستهلك الأمريكي، ولا تضير فقط الشركاء التجاريين لواشنطن. واشنطن ليست حرة تماماً في فرض التعريفات الجمركية. شركاؤها التجاريون قادرون على ذلك أيضاً. قطاع الزراعة في الاقتصاد الأمريكي، على سبيل المثال، تضرر كثيراً من فرض تعريفات جمركية على الواردات من الصين، عندما فرضت الصين تعريفات مضادة على واردات الصين من فول الصويا، مما سبب أضراراً فادحة للمزارعين الأمريكيين.كما كان الحال تاريخياً: الحروب التجارية، ليست بأقل مضاء من الحروب العسكرية. السياسات الحمائية سلاح ذو حدين، لا يمكن استخدامه من طرف دولي دون أن يرتد عليه بأضرار اقتصادية غير محتملة. ثم إنه كثيراً ما تلد حروب التعريفات الجمركية حروباً عسكرية بينية وأممية.