هاندة فرات - حرييت - ترجمة وتحرير ترك برس انطلق مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام بروح تتجاوز العناوين التقليدية. كانت أوكرانيا حاضرة. وكان التهديد الروسي حاضرًا. وكان مستقبل الناتو حاضرًا. لكن فوق كل ذلك كان هناك نقاش أكبر يخيّم على الأجواء: هل يتفكك النظام العالمي؟ الأجواء في القاعة لم تكن أشبه باجتماع أمني تقني، بل أقرب إلى جرد حسابٍ لنظامٍ بأكمله. إطار روبيو: «الغرب حضارة» عندما صعد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى المنصة، لم يبدأ بميزانيات الدفاع أو الخطط العسكرية، بل شيّد مفهومًا: الحضارة الغربية. تاريخ مشترك. ثقافة مشتركة. قيم مشتركة. كانت رسالة روبيو واضحة: التحالف عبر الأطلسي ليس مجرد شراكة مصالح، بل وحدة هوية. وهذا تحوّل مهم دبلوماسيًا. لأن تأطير المعمار الأمني ضمن إطار ثقافي يجعل التحالف استراتيجيًا وأيديولوجيًا في آن واحد. والتعريفات الأيديولوجية ترسم دائمًا حدودًا. الأجندة الحقيقية لأوروبا: القدرة والصلابة غير أن النقاشات في ميونيخ لم تُدار على أساس القيم وحدها. الأجندة الأساسية للعواصم الأوروبية كانت كالتالي: هل ستُزاد القدرة الدفاعية؟ هل يمكن تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة؟ كيف يمكن الاستعداد طويل الأمد في مواجهة روسيا؟ لم تعد أوروبا ترغب في ترك أمنها حصريًا لضمانات واشنطن. مزيد من الإنفاق الدفاعي، مزيد من القدرة الإنتاجية، مزيد من الاستقلالية الاستراتيجية... هذا ليس انفصالًا عن الولايات المتحدة. بل بحثٌ عن علاقة أكثر توازنًا. خط الصدع الحقيقي: أزمة الثقة المسألة الجوهرية التي شُعر بها في ميونيخ لم تكن نقاشًا أيديولوجيًا، بل نقاشًا حول الثقة. الولايات المتحدة تريد من أوروبا تقاسمًا أكبر للأعباء. وأوروبا تريد أن تطمئن إلى الالتزام الأمريكي طويل الأمد. لا يزال الطرفان ضمن التحالف ذاته. لكن النفسية تغيّرت. ولهذا كان السؤال الحقيقي للمؤتمر هو: “هل يمكن الحفاظ على الأرضية المشتركة؟” ملف أوكرانيا: ما بعد الحرب لم تعد حرب أوكرانيا تُرى على أنها مسألة تخص كييف وحدها، بل باعتبارها قضية أمن وجودية لأوروبا. روسيا لم تعد أزمة عابرة. بل تُعتبر تهديدًا طويل الأمد. بين خطاب الحضارة والواقع الاستراتيجي لهذا تُناقش عناوين مثل إنتاج الصناعات الدفاعية، وقدرة الذخيرة، والتنسيق العسكري بصورة أكثر صراحةً وصلابة. إن انعكاس الأمن الأوروبي يتغير بصورة دائمة. تأكيد روبيو على “الحضارة” هو محاولة لإعادة تعريف التحالف عبر القيم. لكن أجندة أوروبا أكثر براغماتية: إنتاج السلاح. أمن الطاقة. الردع العسكري. الصلابة الاقتصادية. طرف يؤسس إطارًا أيديولوجيًا. وطرف يبني قدرة. هاتان المقاربتان لا تتصادمان في الوقت الراهن. لكن أولوياتهما مختلفة. أين تقف تركيا في هذه الصورة؟ بالنسبة لتركيا، المسألة ليست: “هل نحن داخل حزمة الحضارة؟” السؤال الحقيقي هو: ما سيكون دور تركيا في المعمار الأمني الجديد؟ توازن البحر الأسود حرب أوكرانيا ملفات الشرق الأوسط ممرات الطاقة والتجارة الجناح الجنوبي للناتو لا يوجد عنوان من هذه العناوين تكون فيه تركيا خارج المعادلة. إذًا النقاش ليس ثقافيًا، بل جيوسياسي. تنتهج تركيا في السنوات الأخيرة سياسة خارجية متعددة المحاور. تحافظ على علاقتها مع الغرب، وفي الوقت نفسه تُبقي القنوات البديلة مفتوحة. إذا انكمش الغرب ضمن إطار الهوية، فإن أنقرة سترد بتوسيع مجالها الجيوسياسي. الرسالة الحقيقية لميونيخ أظهر هذا المؤتمر أن العالم لا يشهد تكتلًا أيديولوجيًا بقدر ما يشهد عودة إلى سياسة القوة. القواعد موضع جدل. المؤسسات موضع مساءلة. الثقة ضعفت. الكلمة المفتاحية للمرحلة الجديدة ليست “الحضارة”. بل القوة. لكن استدامة القوة تتوقف على شيء واحد: الثقة. وهذا بالتحديد ما كان الأكثر نقاشًا في ميونيخ. السنوات القليلة المقبلة ستكون مرحلة يُعاد فيها تعريف العلاقة عبر الأطلسي، وتبني أوروبا فيها معمارًا أمنيًا أكثر صلابة، وتعيد تركيا حساب مساحة مناورتها ضمن هذه المعادلة الجديدة. هذه المرة، ليست المسألة خطابًا. بل واقعًا جيوسياسيًا.