واشنطن بين كبح الداخل واحتمالات التصعيد الخارجي

في الدول التي تختزل السلطة في شخص، يكون الغضب الرئاسي كافيًا لإسقاط القرار. أمّا في الدول التي تُدار بعقدٍ دستوري صارم، فيبقى القرار ويُعاد تعريف السلطة. ما جرى في واشنطن مؤخرًا لم يكن مجرّد خلاف اقتصادي حول رسوم جمركية؛ كان لحظة اختبار لبنية الحكم الأميركية نفسها. حين تُلغي المحكمة العليا قرارًا رئاسيًا محوريًا، وتفعل ذلك بأغلبية تشمل قاضيين عيّنهما الرئيس شخصيًا، فإن الرسالة لا تكون تقنية. إنها رسالة سقف: الصلاحيات ليست مطلقة، حتى لو رُفعت تحت عنوان "الأمن القومي”. السؤال الذي يفرض نفسه: هل تحكم "الدولة العميقة” الولايات المتحدة، أم أن البيت الأبيض اصطدم بدولة الدستور؟ والأهم: كيف ينعكس هذا الاشتباك المؤسسي على ملف إيران، وعلى حسابات إسرائيل، وعلى خريطة الشرق الأوسط بعد انتخابات نوفمبر؟ سنفكك المشهد عبر محاور واضحة، ثم ننتقل إلى سيناريوهات عسكرية محتملة لما بعد نوفمبر. أولًا: "الدولة العميقة” أم دولة المؤسسات؟ المصطلح شائع، لكنه مُربك. في الخطاب الشعبوي، "الدولة العميقة” تعني شبكة خفية تُعطّل إرادة الرئيس المنتخب. غير أن التجربة الأميركية تُظهر أن ما يُسمّى عميقًا هو في الحقيقة علنيّ ومقونَن: قضاء مستقل، كونغرس صاحب سلطة المال والتشريع، وبيروقراطية دائمة تنفّذ وفق القانون لا وفق المزاج. هذه ليست مؤامرة، بل هندسة دستورية صُمّمت منذ 1787 لمنع تركّز السلطة في يد واحدة. لذلك، حين تُعيد المحكمة العليا رسم حدود الصلاحية التنفيذية، فهي لا "تنقلب”، بل تمارس دورها في منظومة الضوابط والتوازنات. الدلالة السياسية الأبرز في القرار الأخير أن قاضيين من تعيين الرئيس صوّتا ضد قراره. هذا يُسقط فرضية الولاء الشخصي داخل القضاء، ويؤكد أن الولاء المؤسسي يتقدّم على أي اعتبار آخر. ثانيًا: ما الذي تغيّر فعليًا في ميزان السلطة؟ إلغاء الرسوم لم يكن تفصيلًا تجاريًا. كان تثبيتًا لمبدأ: لا تفويض مفتوح تحت لافتة الطوارئ. الرسالة واضحة: الرئيس قوي، لكنه ليس مطلق اليد. وهذا التذكير المؤسسي يأتي في توقيت حساس، حيث يتقاطع الداخل الانتخابي مع ملفات خارجية ثقيلة، على رأسها إيران. في نظامٍ كهذا، كل قرار كبير — اقتصاديًا كان أو عسكريًا — يمرّ عبر ثلاثة أبواب: غطاء قانوني، تمويل من الكونغرس، حساب انتخابي يقرأ مزاج الناخب. وإذا كانت المحكمة قادرة على كبح ملف اقتصادي، فإن أي قرار عسكري واسع سيخضع لرقابة أشد، لأن كلفته أوسع وأسرع انعكاسًا على الداخل. ثالثًا: نظرية "الحرب لصرف الانتباه” وحدودها في الأدبيات السياسية تُطرح نظرية Diversionary War Theory: القائد تحت ضغط داخلي قد يلجأ إلى تصعيد خارجي لتوحيد الرأي العام. لكن التجربة الأميركية الحديثة تُظهر أن الحروب لم تعد أداة سهلة لصناعة الإجماع. في فيتنام تآكل التفويض تحت ضغط الداخل، وفي العراق 2003 انهار الإجماع مع طول الحرب وارتفاع الكلفة. اليوم، الناخب الأميركي يربط أي تصعيد بأسعار الوقود والتضخم، والأسواق تعكس التوتر فورًا في الأرقام. هذا لا يعني استحالة التصعيد، لكنه يرفع كلفته السياسية، ويجعل أي قرار عسكري رهينة الحساب الانتخابي. رابعًا: إيران في قلب المعادلة أي مواجهة واسعة مع إيران تعني تلقائيًا: اضطرابًا في مضيق هرمز، قفزة في أسعار النفط، ضغطًا تضخميًا إضافيًا، خطر تمدّد إقليمي عبر ساحات متعددة. في عام انتخابي، سعر الوقود أهم من الخطاب الجيوسياسي. وإذا جاء نوفمبر بكونغرس مقسوم أو معارض، فإن هامش المناورة يتقلّص، ويصبح كل قرار عسكري معركة داخلية بحد ذاته. السيناريوهات العسكرية المحتملة بعد نوفمبر انطلاقًا من توازنات الداخل، يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية لما بعد الانتخابات: السيناريو الأول: "الضربة المحدودة” ذات الرسالة الرمزية في هذا السيناريو، تُنفّذ ضربة جوية أو سيبرانية محدودة تستهدف منشآت محددة أو أصولًا عسكرية، بهدف إرسال رسالة ردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة. الدوافع: إظهار الحزم دون تحمّل كلفة طويلة الأمد. طمأنة الحلفاء، خصوصًا إسرائيل ودول الخليج. امتصاص ضغط التيار الداعم للتشدد. المخاطر: ردّ محسوب من إيران عبر وكلاء إقليميين. اضطراب محدود في الطاقة، لكنه قابل للاحتواء. اختبار مدى قدرة الإدارة على ضبط التصعيد. هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا إذا كانت واشنطن تبحث عن توازن بين الردع وتجنّب الحرب. السيناريو الثاني: "حرب الظل” الممتدّة بدل المواجهة العلنية، تتصاعد العمليات غير المباشرة: ضربات سيبرانية متبادلة، استهدافات دقيقة عبر أطراف ثالثة، تشديد عقوبات، عمليات بحرية محدودة. الدوافع: تجنّب قرار حرب رسمي يتطلب تمويلاً وتشريعًا واضحًا. إبقاء الكلفة السياسية تحت السيطرة. إدارة الصراع في مساحة رمادية. المخاطر: خطأ تقدير يؤدي إلى تصعيد غير مقصود. توسّع ساحات الاحتكاك (العراق، سوريا، البحر الأحمر). هذا النمط يمنح واشنطن هامش إنكار، ويُبقي المعركة دون عتبة الحرب المفتوحة. السيناريو الثالث: "التصعيد المتدرّج” إذا جاء نوفمبر بكونغرس منقسم لكن غير معارض جذريًا، قد تلجأ الإدارة إلى مسار تصاعدي تدريجي: تعزيز انتشار عسكري في الخليج، مناورات ورسائل ردع، ضربات انتقائية متتابعة. الدوافع: اختبار رد الفعل الإيراني على مراحل. خلق واقع ردعي جديد. منح الإدارة قدرة على التراجع إذا ارتفعت الكلفة. المخاطر: انزلاق غير محسوب نحو مواجهة أوسع. توحيد خصوم واشنطن إقليميًا. السيناريو الرابع: "الاحتواء الصارم بلا حرب” في حال خسر الحزب الحاكم الأغلبية، قد تفضّل الإدارة تجميد خيار الحرب، والانتقال إلى استراتيجية احتواء صارم: عقوبات أشد، تحالفات إقليمية موسّعة، تعزيز الدفاعات الصاروخية للحلفاء، تفاهمات غير معلنة لتخفيض التوتر. الدوافع: تجنّب صدام مكلف في بيئة انتخابية غير مواتية. التركيز على الاقتصاد الداخلي. إدارة التنافس بدل تفجيره. المخاطر: تفسير الاحتواء على أنه تراجع. تشجيع اختبارات ردع من الطرف الآخر. خامسًا: أين تقف إسرائيل في هذه الحسابات؟ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعرف أن القرار الأميركي ليس قرار شخص. إذا كان البيت الأبيض مُقيّدًا قضائيًا وانتخابيًا، فإن سقف التصعيد ينخفض، ويصبح الغطاء الأميركي مشروطًا. التجارب السابقة تشير إلى أن واشنطن لا تنخرط تلقائيًا في كل معركة إسرائيلية؛ الدعم قد يكون سياسيًا واستخباراتيًا، دون تورّط مباشر. أي خطوة إسرائيلية كبيرة ضد إيران تحتاج: تنسيقًا عسكريًا عميقًا، ضمانات استمرار الدعم، حسابًا دقيقًا للردّ المتبادل. وفي لحظة أميركية مُقيّدة داخليًا، يصبح الرهان على "إرادة شخص” أقل ضمانًا. سادسًا: دول الخليج… تنويع الخيارات دول الخليج، التي بنت جزءًا من استراتيجياتها على مظلة ردع أميركية قوية، ستقرأ ما بعد نوفمبر بعين براغماتية. إذا بدا القرار الأميركي أكثر حذرًا، قد تتجه إلى: تعزيز التفاهمات الإقليمية لخفض التوتر، تنويع الشراكات الدفاعية، الاستثمار في الدفاعات الذاتية. المنطقة تعلّمت أن البيت الأبيض ليس مؤسسة واحدة، بل توازن قوى. سابعًا: ما الذي تعنيه لحظة "إعادة التوازن”؟ المحكمة العليا لم تُضعف الدولة؛ بل أظهرت صلابتها. الدول القوية هي التي تستطيع مؤسساتها أن تقول "لا” لرئيسها دون أن تنهار. لكن إعادة التوازن الداخلي تضيق معها مساحة المغامرة الخارجية. وكلما اشتدّ السجال داخل واشنطن، زادت كلفة القرار خارجها. في هذا السياق، تبدو السيناريوهات المحدودة أو الرمادية أكثر ترجيحًا من حرب شاملة. فالحرب المفتوحة تحتاج إجماعًا سياسيًا وماليًا، وهو أمر غير مضمون في بيئة انتخابية متقلبة. الخلاصة: السقف يُحدّد الممكن ليست المسألة صراعًا بين "الدولة العميقة” والرئيس، بل اختبارًا لقدرة النظام على كبح الاندفاعة عند الحافة. المحكمة أعادت تثبيت السقف. نوفمبر سيعيد رسم الخريطة. والشرق الأوسط يقرأ الإشارة. في واشنطن، لا يكفي الحماس ولا ضغط الحلفاء ولا الخطاب الانتخابي. هناك اقتصاد، وكونغرس، ومحكمة، وناخب. ومن لا يفهم هذا التعقيد — في طهران أو تل أبيب أو أي عاصمة أخرى — قد يخطئ الحساب. الولايات المتحدة اليوم ليست في لحظة انفجار، بل في لحظة إعادة توازن. وإعادة التوازن — في كثير من الأحيان — أكثر تأثيرًا من الضجيج. .