إذا سقطت إيران.. أزمة جيوسياسية أم انكسار حضاري؟

ترك برس في تحليل نشره موقع "فوكوس بلاس"، تناول الكاتب والمحلل التركي علي تشابوك، المخاطر الإقليمية والجيوسياسية المرتبطة بالوضع في إيران، محذرا من أن أي انهيار محتمل في الدولة الإيرانية لن يكون مجرد تغيير نظام سياسي، بل قد يفضي إلى أزمة أعمق تتمثل في تفكك بنية الدولة أو ما وصفه بـ“انهيار الحوض الحضاري”. يرى تشابوك أن الاحتجاجات والتوتر المتصاعد بين إيران والولايات المتحدة، إلى جانب سيناريوهات تغيير النظام التي عادت إلى الواجهة بعد تصاعد المواجهات الإقليمية، تضع إيران أمام حصار عسكري وسياسي واقتصادي متزايد. وفي هذا السياق، لفت إلى أن طبيعة المواجهة الأخيرة مع إسرائيل كشفت أن الضغوط لا تقتصر على الردع المحدود، بل تتضمن – بحسب قراءته – هدفًا أكثر اتساعًا يتمثل في إحداث تغيير جذري في بنية النظام. وأشار الكاتب إلى تصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي التي تحدث فيها عن سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تغيير النظام، معتبراً ذلك دليلاً على أن الصراع يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة. لكنه شدد على أن أي تدخل خارجي لن يؤدي بالضرورة إلى نموذج يشبه ما جرى في بعض الدول التي تغيرت فيها الأنظمة فقط، مثل إسبانيا أو تشيلي، بل قد يشبه تجارب أكثر قسوة شهدتها ليبيا أو العراق، حيث انهارت مؤسسات الدولة وتفككت منظومات الأمن والاقتصاد. وفي هذا الإطار، يميز تشابوك بين “تغيير النظام” و“انهيار الدولة”. فالأول يعني تبدل النخب الحاكمة مع بقاء مؤسسات الدولة، بينما الثاني يعني تفكك البنية المؤسسية نفسها. ويحذر من أن ضعف المركز السياسي في إيران قد يفتح الباب أمام سيناريوهات التقسيم، خاصة إذا فقدت العاصمة قدرتها على فرض السلطة وإدارة البلاد. ورغم تأكيده أنه لا توجد مؤشرات حالية على قرب تحقق هذا السيناريو، دعا إلى النظر إلى الأزمة الإيرانية ليس فقط من زاوية الهجرة والأمن، بل بوصفها قضية ذات أبعاد حضارية. فحسب رأيه، فإن انهيار إيران – إن حدث – لن يكون مجرد خسارة سياسية، بل سيعني فقدان عمق تاريخي وثقافي يشكل جزءًا من الإرث المشترك بين إيران والمنطقة. يستند تشابوك في تحليله إلى التاريخ الطويل للعلاقات بين إيران والأناضول، مشيرًا إلى أن هذا التواصل لم يكن سياسيًا فحسب، بل حضاريًا وفكريًا. فمن التصوف والأدب إلى الفكر السياسي، تشكل جزء كبير من الإرث الثقافي عبر تفاعل طويل بين الحوضين الإيراني والأناضولي. ويرى أن انهيار أحدهما سيؤدي إلى خلل أوسع في المنطقة، إذ كانت إيران تاريخيًا جسرًا يربط الشرق بالأناضول وآسيا الوسطى. كما شدد على أن العلاقة بين تركيا وإيران تتجاوز الخلافات السياسية أو المذهبية، إذ يشترك البلدان في تحديات متشابهة: التعامل مع الغرب، وتجارب التحديث، وصراعات الهوية. ومن هذا المنطلق، يرى أن التعاون بينهما ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة للحفاظ على الاستقرار الإقليمي. وفي جانب آخر من التحليل، أشار إلى أن إيران تعيش اليوم تحت ضغط أمني واقتصادي دفعها إلى التشدد في سياساتها. لكنه يرى أن هذا النهج، وإن وفر تماسكًا داخليًا، يساهم في عزل البلاد خارجيًا ويقلص قدرتها على الانفتاح. ويعتبر أن العلاقة مع تركيا تمثل متنفسًا جيوسياسيًا لإيران، إذ يمنحها هذا الرابط إمكانية التعامل مع العالم بعيدًا عن الانغلاق. أما بالنسبة لتركيا، فيؤكد تشابوك أن المخاطر المحتملة لا تعني سقوط الدولة التركية، لكنها قد تؤدي إلى خسارة ما يسميه “العمق الحضاري”. فالأزمات الإقليمية الكبرى لا تقتصر آثارها على الجغرافيا المباشرة، بل تمتد إلى مستويات ثقافية وتاريخية أعمق. لذلك يدعو إلى النظر إلى الأزمة الإيرانية بوصفها مسألة تتطلب مقاربة استراتيجية شاملة، لا تقتصر على الجوانب الأمنية. وختم تحليله بالتساؤل حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل ترغب دول المنطقة في الاكتفاء بالبقاء وتجنب الانهيار، أم أنها قادرة على إنتاج معانٍ جديدة واستراتيجيات تضمن الاستقرار والتنمية؟ فحسب رأيه، لا يمكن بناء مستقبل مستدام دون الاستفادة من التاريخ والتجارب المشتركة، وإلا فإن المنطقة ستظل عُرضة لدورات متكررة من الأزمات.