رفض الفاتيكان الإنضمام لمجلس السلام: إنتصار للشرعية الدولية #عاجل

كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني - في لحظة سياسية ودبلوماسية شديدة الحساسية، جاء موقف الفاتيكان الرافض للانضمام إلى «مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول غزة، ليحمل دلالات تتجاوز حدود المشاركة الرمزية من عدمها. فالرفض لم يكن إجراءً بروتوكولياً، بل تعبيراً عن موقف مبدئي يمس بنية النظام الدولي وآليات إدارة الأزمات العالمية. أولاً: الدفاع عن الشرعية الدولية لا عن الحياد السلبي الكاردينال بيترو بارولين، بصفته كبير الدبلوماسيين في الكرسي الرسولي، أوضح أن معالجة الأزمات الدولية يجب أن تبقى بيد الأمم المتحدة. هذه العبارة تختصر جوهر الموقف: الفاتيكان يرى أن أي إطار موازٍ أو بديل للأمم المتحدة يفتح الباب أمام تقويض مبدأ الشرعية الدولية، حتى وإن حمل عنوان "السلام". الفاتيكان، بوصفه فاعلاً أخلاقياً في السياسة الدولية أكثر منه لاعباً جيوسياسياً تقليدياً، يدرك أن تعدد الأطر غير المنبثقة عن الأمم المتحدة يعني عملياً إعادة تعريف مصادر الشرعية الدولية وفق ميزان القوة لا وفق قواعد القانون الدولي. ثانياً: رفض «تسييس» السلام إطلاق مجلس سلام برئاسة رئيس دولة كبرى منخرطة سياسياً وعسكرياً في ملفات الشرق الأوسط يثير إشكالية تضارب الأدوار او تضارب المصالح: هل الرئيس الأمريكي ترامب المصمم والراعي لهذا المجلس حكماً محايداً أم طرفاً سياسياً يسعى إلى هندسة مخرجات تتوافق مع مصالحه او مصالح الدولة الصهيونية التي يرعاها؟ من هذا المنظور، يمكن قراءة الموقف الفاتيكاني كتحفّظ على تحويل مفهوم السلام إلى أداة في الصراع السياسي الدولي. فالمجلس المقترح، إذا لم يكن منبثقاً عن مظلة أممية جامعة، قد يُنظر إليه كإطار انتقائي يعكس أولويات واشنطن وتل أبيب لا التوافق الدولي. ثالثاً: حماية مكانة الأمم المتحدة من التفريغ الوظيفي تاريخياً، مثّلت الأمم المتحدة الإطار الجامع لإدارة النزاعات، رغم كل ما يعتريها من قصور هيكلي أو تعطيل سياسي داخل مجلس الأمن. غير أن إنشاء أطر بديلة قد يؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ«التفريغ الوظيفي التدريجي» للمنظمة الدولية. عندما تتولى مبادرات منفصلة إدارة أزمات بحجم غزة، فإن ذلك يضعف من مركزية وفاعلية الأمم المتحدة كمرجعية إلزامية، ويحوّلها إلى مجرد منصة خطابية، او كما يُقال في المثل الشعبي الأردني "مثل شراشيب الخُرج". وهذا ما أشار إليه بارولين بوضوح حين شدد على ضرورة أن تكون الأمم المتحدة هي الجهة التي تدير الأزمات. رابعاً: موقف غير معزول دولياً ما يعزّز من وجاهة الموقف الفاتيكاني أنه لم يكن موقفاً منفرداً. فالفاتيكان ليست الجهة الوحيدة التي رفضت الانضمام إلى مجلس السلام؛ إذ لم توقّع كل من المملكة المتحدة وفرنسا والنرويج على الدعوات الموجّهة للانضمام. كما أعرب دبلوماسيون ومسؤولون وقادة دوليون عن مخاوفهم من توسيع صلاحيات المجلس، ومن الطبيعة غير المحددة زمنياً لرئاسته، إضافة إلى القلق من الضرر المحتمل الذي قد يلحق بعمل الأمم المتحدة. هذا التلاقي في التحفظات يعكس خشية أوسع من إعادة هندسة النظام الدولي خارج أطره المؤسسية المعترف بها. خامسا: رسالة أخلاقية في سياق مأساة إنسانية غزة اليوم ليست فقط ملفاً سياسياً او إقتصادياً، بل مأساة إنسانية وقانونية. ومن هنا فإن أي مقاربة تتجاوز الأطر القانونية الدولية – بما فيها قرارات الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف – تثير مخاوف من إعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسي خارج الضوابط المتفق عليها. موقف الفاتيكان يحمل رسالة مفادها أن السلام لا يُصنع بقرارات أحادية أو مبادرات سياسية فوقية، بل عبر منظومة قانونية دولية تحظى باعتراف جماعي. سادساً: البعد الرمزي لرفض «بابا الفاتيكان الأمريكي الجنسية» رغم أن البابا الحالي ينتمي إلى السياق الكنسي العالمي، فإن كونه محسوباً في الإعلام الغربي ضمن الفضاء الأميركي(كونه امريكي المولد) يمنح الموقف دلالة إضافية: فالرفض لم يصدر عن خصم جيوسياسي لواشنطن، بل عن مؤسسة دينية ذات حضور عالمي تربطها علاقات تقليدية متوازنة مع الولايات المتحدة. هذا يعزز الانطباع بأن القضية ليست خلافاً سياسياً مع إدارة بعينها، بل تحفظاً مؤسسياً على مبدأ الالتفاف على الشرعية الأممية. خاتمة ليس بالضرورة كل مجلس يحمل اسم «السلام» يكون معبّراً عن سلام مستدام. فالمعيار في النظام الدولي المعاصر ليس النوايا المعلنة فقط، بل الإطار المؤسسي الذي يمنح الشرعية والقبول. ورفض الفاتيكان الانضمام إلى مجلس يرأسه دونالد ترامب يعيد التأكيد على أن الشرعية الدولية، مهما شابها من قصور، تبقى أقل كلفة على العالم من مبادرات قد تُضعف النظام الدولي أكثر مما تعالجه، ومصممة لتحقق مصالح مهندسيها. في عالم يتآكل فيه التوافق الأممي وتُحاصر المنظمات الدولية وتُجفف منابعها، يبدو أن الرسالة الأوضح جاءت من الفاتيكان: لا سلام خارج إطار القانون الدولي، ولا شرعية بديلة عن الأمم المتحدة. .