ترك برس في مقال تحليلي مطوّل نشره موقع فوكوس بلاس، تناول الكاتب والأكاديمي التركي نجم الدين أجار التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، مستعرضًا موقع إسرائيل في ما وصفه بـ«النظام العالمي بلا معايير»، ومعتبرًا أن ما يجري بعد 7 أكتوبر لا يقتصر على تصعيد عسكري إقليمي، بل يمثل لحظة كاشفة لانهيار المرجعية القانونية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. تآكل النظام القائم على القواعد يشير أجار إلى أن النظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية قام – نظريًا – على تقييد استخدام القوة عبر منظومة من القواعد والمؤسسات، في مقدمتها الأمم المتحدة، والقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات حقوق الإنسان، وآليات الدبلوماسية متعددة الأطراف. ورغم أن القوى الكبرى لم تلتزم دائمًا بهذه القواعد، فإن فكرة «النظام القائم على القواعد» ظلت تشكل سقفًا ناظمًا يمنع الانفلات الكامل للصراعات. غير أن السنوات الأخيرة – وفق الكاتب – شهدت تآكلًا متسارعًا لهذا الإطار، ليس عبر اختفاء المعايير، بل عبر تطبيقها انتقائيًا وترك الانتهاكات بلا مساءلة، ما أدى إلى اعتيادها وتطبيعها. ويستشهد أجار بالحرب الروسية–الأوكرانية، وتصاعد تنافس القوى الكبرى، والخطوات الأحادية في مجالات التكنولوجيا والتجارة، بوصفها مؤشرات على هذا المسار. لكنه يرى أن السلوك الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر هو الأكثر تعبيرًا عن الفجوة بين خطاب المعايير وواقع سياسة القوة. ويؤكد أن الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة للقانون الدولي، وما يصفه بجرائم الإبادة في غزة، وتجاهل قانون الاحتلال، وخطوات الضم الفعلي في الضفة الغربية، لا تمثل فقط أزمة إقليمية، بل تشكل سابقة تقوّض شرعية النظام الدولي ذاته، وتفتح الباب أمام مرحلة يصبح فيها انتهاك القواعد بلا كلفة سياسية أو قانونية. من استراتيجية الاعتراف إلى وهم التطبيع يستعرض أجار الخلفية التاريخية لمسار التطبيع، موضحًا أن إسرائيل منذ تأسيسها عام 1948 سعت إلى فرض الاعتراف بها من الفلسطينيين الذين اقتُلعت أراضيهم، ومن الدول العربية المجاورة، ولا سيما مصر والأردن، واعتبرت ذلك حجر الزاوية في استراتيجيتها الأمنية. ويشير إلى أن المرحلة التي أعقبت 1948 اتسمت بسياسة توسعية اعتمدت على العمليات العسكرية وتوسيع الاستيطان، مقابل عجز عربي–فلسطيني عن موازنة التفوق الإسرائيلي عسكريًا. ومع الثمانينيات، بدأ التحول نحو الدبلوماسية والرهان على النظام الدولي القائم على المعايير، باعتباره يوفر ضمانات قانونية لا يمكن تحقيقها عبر المواجهة العسكرية. في هذا السياق جاءت اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، ثم اتفاقيات أوسلو عام 1993، فمعاهدة وادي عربة عام 1994، بوصفها محطات رسّخت الاعتراف بإسرائيل مقابل التزامها – نظريًا – بالتخلي عن النزعات التوسعية وقبول حل الدولتين واحترام القانون الدولي. ويرى أجار أن هذه الاتفاقيات لم تكن مجرد ترتيبات أمنية، بل تعبيرًا عن افتراض أساسي مفاده أن إسرائيل ستتحول إلى «دولة طبيعية» تتصرف ضمن قواعد الشرعية الدولية. ومع تسارع موجة التطبيع في العقد الأخير عبر اتفاقيات إبراهيم، تعزز هذا الافتراض لدى عدد من الدول العربية، خصوصًا الخليجية منها. إلا أن ما جرى بعد 7 أكتوبر – بحسب الكاتب – كشف زيف هذا الرهان، إذ لم تُترجم مسارات التطبيع إلى التزام إسرائيلي بالمعايير، بل استُخدمت كغطاء لاستمرار السياسات التوسعية، ما أفرغ مفهوم «التطبيع» من مضمونه، وحوّله إلى وهم سياسي قائم على افتراضات لم تتحقق. تصفية أوسلو والضم الدائم للضفة الغربية يركز التقرير على الضفة الغربية باعتبارها الساحة الأكثر دلالة على هذا التحول. فالضفة، الواقعة تحت الاحتلال منذ 1967، والتي نصّت قرارات الأمم المتحدة على وضعها القانوني كأرض محتلة، وقُسمت بموجب أوسلو إلى مناطق «أ» و«ب» و«ج» باعتبارها نواة الدولة الفلسطينية المستقبلية، تشهد اليوم – وفق أجار – مسارًا متسارعًا نحو الضم الدائم. ويشير إلى قرارات اتخذتها الحكومة الإسرائيلية في فبراير، تقلّص صلاحيات السلطة الفلسطينية، وتسهّل توسيع المستوطنات، وتشرعن مصادرة أراضٍ فلسطينية، بل وتُسجّل مساحات واسعة كأراضي دولة لأول مرة منذ 1967. كما يلفت إلى خطط لمضاعفة عدد المستوطنين البالغ حاليًا نحو 700 ألف. ويعتبر الكاتب أن هذه الإجراءات تمثل عمليًا تصفية لاتفاق أوسلو، وتبنّيًا واضحًا لاستراتيجية الضم، في ظل حضور دولي خافت لا يوازي خطورة التحول الجاري. تقويض بنية «السلام» الإقليمي لا يقتصر الأمر – وفق أجار – على أوسلو وحدها، بل يحمل دلالات أوسع تمسّ مجمل البنية الإقليمية التي تشكلت عبر اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة. فحين تُفرغ إسرائيل أوسلو من محتواه وتفرض وقائع ضم دائمة، فإنها تُرسل إشارة ضمنية بإمكانية تجاوز أو إبطال الاتفاقيات الأخرى متى اقتضت حساباتها السياسية. ويرى أن هذا المسار يُنذر بتآكل معماريّة «السلام» الإقليمي، ويكشف عن مقاربة تعتبر الاتفاقيات أدوات مرحلية لا التزامات ملزمة، ما يعمّق أزمة الثقة في أي ترتيبات مستقبلية. فلسطين كاختبار للنظام الدولي يخلص أجار إلى أن صمت المجتمع الدولي، والدعم الصريح أو الضمني الذي تحظى به إسرائيل من قوى كبرى، يسرّع انتقال النظام العالمي من «قواعد تحكم القوة» إلى «قوة تحكم القواعد». ومع غياب المساءلة، تتحول إسرائيل إلى فاعل مركزي في تكريس نموذج الإفلات من العقاب. وبذلك لم تعد القضية الفلسطينية – في تقديره – نزاعًا محليًا أو إقليميًا فحسب، بل أصبحت اختبارًا حاسمًا لمستقبل القانون الدولي والمعايير العالمية. فإذا استمر هذا المسار دون ردع، فإن النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية سيواجه خطر الانهيار التدريجي، لتحلّ محله بيئة دولية تُشرعن الوقائع بالقوة وتُؤسس لمرحلة أكثر فوضوية. ويحذر الكاتب في ختام مقاله من أن ما يجري اليوم في غزة والضفة الغربية لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل يطعن في صميم الشرعية الدولية. وإذا لم يُوقف مسار «انعدام المعايير»، فإن تداعياته لن تبقى محصورة في الشرق الأوسط، بل ستفتح الباب أمام عالم تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق القوة المجردة، مع ما يحمله ذلك من احتمالات انفلات وصدامات أوسع.