ظاهرة متصاعدة.. لماذا يتجه الأتراك إلى العقارات في الخارج؟

ترك برس في مقال تحليلي نشرته صحيفة يني شفق، تناول الكاتب والخبير الاقتصادي التركي يوسف دينتش ظاهرة تزايد إقبال الأتراك على شراء العقارات في الخارج، ولا سيما في اليونان، معتبرًا أن هذه الظاهرة تمثل تطورًا اقتصاديًا واجتماعيًا يستحق الفهم العميق بعيدًا عن الأحكام المسبقة. ظاهرة تُقرأ بسلبية… لكنها أعمق من ذلك يشير دينتش إلى أن انتقال رؤوس أموال تركية إلى الخارج عبر شراء العقارات يُنظر إليه في الأوساط العامة بنبرة سلبية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية. ويرى أن توقيت بروز هذه الموجة قد يبدو غير مناسب، إلا أن التعامل معها بوصفها مسألة “صحيحة أو خاطئة” لا يعكس طبيعتها الحقيقية. ويؤكد أن الاستثمار العقاري الخارجي ليس موقفًا سياسيًا أو أخلاقيًا، بل هو ظاهرة اقتصادية–اجتماعية مركبة تتطلب تحليلًا دقيقًا لأسبابها ودوافعها. ففهم المنبع والمسار والنتائج المحتملة هو المدخل الصحيح للتعامل معها، سواء من خلال تصحيح الاختلالات أو عبر تطوير أدوات داخلية بديلة. توزيع المخاطر… أم مجرد شعور بالأمان؟ يضع دينتش في مقدمة الأسباب الدافعة إلى شراء العقارات في الخارج مسألة توزيع المخاطر. فامتلاك أصول خارج البلاد يمنح بعض المستثمرين شعورًا نفسيًا بالأمان. غير أنه يشير إلى أن حجم الاستثمارات الخارجية، مقارنة بإجمالي ثروات أصحابها، لا يحقق توزيعًا فعليًا للمخاطر بقدر ما يوفّر انطباعًا رمزيًا بوجود جزء من الثروة في الخارج. تصدير خبرة التضخم سبب آخر يتمثل – بحسب الكاتب – في محاولة تحويل الخبرة التركية في إدارة الأزمات الاقتصادية والتضخم إلى فرصة ربح خارجية. فالمستثمر الذي استطاع الصمود في بيئة اقتصادية مليئة بالتقلبات داخل تركيا يعتقد أن بإمكانه تحقيق عوائد أفضل في أسواق أخرى، خاصة في ظل توقعات بارتفاع موجات تضخمية عالميًا. الحاجة إلى دخل بالعملة الصعبة ويبرز كذلك دافع الحصول على دخل بالعملات الأجنبية، لا بوصفه ترفًا بل حاجة. إذ يُنظر إلى العائدات المقومة باليورو أو الدولار باعتبارها وسيلة لتحقيق استقرار في التدفقات النقدية، خصوصًا في بيئة تتسم بتقلبات سعر الصرف. البحث عن خطط سداد مرنة يلفت دينتش أيضًا إلى عامل ثقافي–اقتصادي، وهو تفضيل الأتراك الشراء بنظم تقسيط مريحة. ونظرًا لضعف تنوع وعمق خيارات التقسيط العقاري في السوق المحلية، يتجه بعض المستثمرين إلى مشروعات خارجية تقدم خطط دفع مرنة، ما يجعلها أكثر جاذبية من الناحية العملية. هل هي مشكلة أم فرصة؟ يتساءل الكاتب عما إذا كان ينبغي النظر إلى هؤلاء المستثمرين بوصفهم في حالة تنافس مع المجتمع المحلي، أم باعتبارهم فاعلين اقتصاديين يمكن الاستفادة من حركتهم الرأسمالية. ويقترح في هذا السياق إعادة النظر في القيود المفروضة على القروض السكنية، خصوصًا في قطاع المساكن الفاخرة. فهذه القيود – التي فُرضت في مرحلة القروض الرخيصة – قد لا تكون مبررة في ظل ارتفاع تكاليف التمويل حاليًا. ويرى أن استمرار القيود في بيئة ائتمانية مرتفعة الكلفة يفقدها مبرراتها الاقتصادية. وفي حال لم يُرَد الدخول في هذا النقاش، يقترح دينتش النظر إلى المستثمرين العقاريين في الخارج كما لو كانوا “مُصدّرين”، على اعتبار أنهم قد يعيدون في المستقبل إلى البلاد عوائد تفوق ما أخرجوه، إذا نجحت استثماراتهم. التأشيرة الذهبية اليونانية… البعد الاجتماعي ينتقل المقال إلى زاوية أخرى، تتعلق بشراء العقارات في اليونان بدافع الحصول على “التأشيرة الذهبية”، حيث يلاحظ أن العائلات تبرر هذه الخطوة غالبًا بالرغبة في تسهيل مستقبل أبنائها وتجاوز مشكلات التأشيرات الأوروبية. غير أن دينتش يشكك في جدوى هذا التبرير، معتبرًا أن تحميل القرار الاستثماري هذا البعد العاطفي قد يكون مبالغًا فيه، إذ إن الظروف الدولية قد تتغير بحلول الوقت الذي يبلغ فيه الأبناء سن الدراسة أو العمل. كما يرى أن مسألة التأشيرات هي قضية بين الدول، ويجب ألا تتحول إلى عبء مالي تتحمله الأسر. فالحل – برأيه – ينبغي أن يكون عبر القنوات الدبلوماسية والضغط العام، لا عبر استنزاف الموارد الفردية. ويذهب إلى أن المشكلة مع أوروبا مبالغ في تصويرها، خاصة أن هذه العائلات لا تواجه الصعوبات نفسها في التعامل مع الولايات المتحدة. ويعتبر أن على الجهات الرسمية التعامل مع ملف التأشيرات بجدية أكبر، حتى لا يُضطر المواطنون إلى البحث عن حلول فردية مكلفة. يخلص دينتش إلى أن موجة الاستثمار العقاري في الخارج ليست مجرد هروب لرأس المال، بل هي انعكاس لمزيج من الدوافع الاقتصادية والنفسية والاجتماعية. والتعامل معها يتطلب سياسات داخلية أكثر مرونة وفعالية، بدل الاكتفاء بانتقاد المستثمرين. فالمسألة، في نهاية المطاف، ليست صراعًا بين الداخل والخارج، بل اختبار لقدرة الاقتصاد المحلي على توفير بدائل تنافسية تُبقي رؤوس الأموال ضمن حدوده.