سفير أوزبكستان: رمضان في السعودية يشعرني بأني في بلدي

مع حلول شهر رمضان تتجدد في العالم الإسلامي معاني الإيمان والتكافل والتقارب بين الشعوب، وتكتسب الأجواء الروحانية بعداً إنسانياً وثقافياً يتجاوز الحدود الجغرافية.«عكاظ» تفتح نافذة حوارية مع سفير جمهورية أوزبكستان لدى المملكة نادرجان تورغونوف، للحديث عن ملامح رمضان في بلاده، وأبرز العادات والتقاليد التي تميّز المجتمع الأوزبكي، والذكريات الشخصية المرتبطة بالشهر الكريم، إلى جانب دور القيم الرمضانية في تعزيز التقارب بين الشعوب والثقافات، وانعكاسها على العلاقات الثنائية بين أوزبكستان والمملكة.حرية ممارسة الشعائر• صف لنا أجواء شهر رمضان في أوزبكستان، وما أبرز العادات والتقاليد التي تميّز المجتمع الأوزبكي خلال هذا الشهر؟•• يُعدّ شهر رمضان في أوزبكستان شهراً مقدساً ومُنتظراً بشوق، إذ تعم أجواء الرحمة والخير والنمو الروحي أرجاء البلاد. وهو وقت يتجسّد فيه التكافل الاجتماعي، ويتعزّز فيه الشعور بالأخوّة، ويحرص الناس على مساعدة بعضهم بعضاً.وفي ظل القيادة الحكيمة لرئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف، تشهد بلادنا تحوّلات عميقة تشمل النمو الاقتصادي، وتحسّن مستوى المعيشة، وضمان الحرية الكاملة لممارسة الشعائر الدينية، ما يتيح للمسلمين أداء جميع شعائر رمضان علناً وبكرامة. وتسهم هذه الإصلاحات في ترسيخ الانسجام الاجتماعي وتطوير التقاليد الإسلامية في إطار معاصر.يولي الأوزبك اهتماماً خاصاً بمساعدة المحتاجين والأيتام وكبار السن، اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في الكرم والعطاء. كما تغيّر المطاعم جداول عملها، فتفتح أبوابها مبكراً للسحور وتقدّم أطباقاً خاصة للإفطار. وتجتمع العائلات والأصدقاء حول موائد مشتركة يتبادلون فيها الدفء والفرح.وفي جميع مساجد أوزبكستان تُقام صلاة التراويح مساءً، إذ يتلو الحفّاظ القرآن الكريم كاملاً خلال 27 ليلة. وتبلغ الأجواء الروحية ذروتها في ليلة القدر، إذ يتضرّع المؤمنون طلباً للمغفرة والبركة.وأضيف هنا، أنه في أوزبكستان، أرض ما وراء النهر، مهد كبار علماء الإسلام أمثال الإمام البخاري، تُنظَّم موائد إفطار خيرية.كما تشهد الأسواق حركة نشطة استعداداً لعيد الفطر، إذ يشتري الناس الملابس الجديدة والحلويات والهدايا، فتسود أجواء الفرح والوحدة.ولتنظيم شهر رمضان وعيد الفطر، تصدر في أوزبكستان مراسيم رئاسية خاصة، تهدف إلى تهيئة جميع الظروف اللازمة للمسلمين، بما في ذلك تأمين المساجد، وتنظيم موائد إفطار عامة، وتخصيص أيام عطلة إضافية لتمكين الناس من التفرغ للعبادة والتقاليد الأسرية.وبذلك يحظى رمضان باهتمام مزدوج: من الشعب الذي يستقبله بإيمان وسمو روحي، ومن الدولة على المستوى السياسي، في تأكيد واضح على التزامها بمبادئ التسامح ودعم القيم الإسلامية في مجتمع متعدد القوميات.أجبرونا على كسر الصيام• ما الذكريات التي لا تزال حاضرة في وجدانكم من طفولتكم المرتبطة برمضان؟•• تعيش ذكريات رمضان في طفولتي في أعماق قلبي. كان الشهر آنذاك مُنتظراً بشغف، لكن ظروف الحياة كانت أبسط، وكانت الحرية الدينية محدودة، ففي الحقبة السوفيتية روّجت السلطات للإلحاد وسعت إلى محو الإسلام من آسيا الوسطى، المنطقة التي عرفها العرب باسم ما وراء النهر.وكانت موائد الإفطار والسحور متواضعة، تتكون من خبز، فواكه مجففة، بلاف (أرز)، أو سمسا، ولم تكن هناك أطعمة فاخرة أو كثرة حلويات، فالغذاء الروحي كان الأهم، وفي المدارس كانوا يُجبروننا أحياناً على شرب الماء أو الأكل لكسر الصيام.ومع ذلك، تمسّك شعبنا بالصيام، وأقام صلاة التراويح، وحافظ على التقاليد الإسلامية، مستمداً قوته من إرث الأجداد، وبعد الاستقلال عام 1991 تغيّر كل شيء، واليوم، وبفضل إصلاحات الرئيس شوكت ميرضيائيف، نحتفل برمضان بحرية تامة، مع وفرة الطعام وإقامة الصلوات علناً، وأصبحت الديانة جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية، كما أذكر أننا كنا، نحن الأطفال، ننتظر المساء لنركض إلى المسجد لصلاة التراويح، ثم نتبادل القصص تحت ضوء القمر، كانت مغامرة إيمانية حقيقية، تُلهم اليوم بتعزيز الروابط بين الأجيال، في إطار سياسة الدولة للحفاظ على التقاليد.«البلاف» الأقرب إلى قلبي• هل يثير الشهر الفضيل لديكم شعوراً خاصاً بالحنين إلى وطنكم ومسقط رأسكم، وكيف تعيشون هذه المشاعر وأنتم تؤدّون مهماتكم خارج بلدكم؟•• بلا شك، يوقظ رمضان في نفسي حنيناً عميقاً إلى أوزبكستان ديار الطفولة. أستحضر أمسيات العائلة تحت النجوم، وصوت الأذان من المآذن، وفرحة الإفطار مع الأهل.وأثناء عملي سفيراً في المملكة العربية السعودية، بلد الحرمين الشريفين، أشعر وكأنني في وطني؛ فالتقاليد هنا من كرم وتواضع وعبادة قريبة جداً من تقاليدنا، ويمنحني هذا الحنين دافعاً إضافياً في عملي الدبلوماسي، إذ أستثمره في تعزيز الصداقة بين أوزبكستان والمملكة العربية السعودية. وتشهد العلاقات الثنائية اليوم تطوراً ديناميكياً، مع نمو الاستثمارات، والتبادل الثقافي، والتعاون في المجال الديني، ما يجعل روابطنا أكثر متانة وأينما كنت، يذكّرني رمضان بأننا أمة واحدة، ويحوّل الشوق إلى دافع للأعمال الصالحة.• ما أبرز الأطباق الرمضانية التي تشتهر بها أوزبكستان، وما الطبق الأقرب إلى ذاكرتكم الشخصية؟•• تمثّل موائد رمضان في أوزبكستان انعكاساً لغنى مطبخنا الوطني. فالنساء في العائلات — الزوجات والأمهات والأخوات — يحرصن على الطهي بحب، رغم أن كثيرين اليوم يطلبون الطعام أو يتناولونه في المطاعم. ومع ذلك، تبقى التقاليد حاضرة، إذ تقدّم المطاعم قوائم خاصة بأطباق وطنية.نبدأ الإفطار على السنة بالتمر أو الماء، ثم نتناول السمسا والحساء مثل الشوربا أو اللاغمان وغيرها من مئات الوصفات الأوزبكية، ومن الأطباق الخاصة برمضان طبق «نيشالدا» حلوى كثيفة تشبه المربى الأبيض لكنها أكثر تماسكاً، وهو الطبق الوحيد الذي يُحضَّر حصرياً في رمضان، من بياض البيض والسكر وأعشاب عطرية، ويرمز إلى النقاء والحلاوة الروحية للشهر، أما الأقرب إلى قلبي فهو «البلاف» (الأرز)، بأريجه المميّز من الأرز واللحم والجزر والبصل والتوابل، يُقدَّم في طبق كبير يجمع العائلة وكان عطره بعد يوم الصيام في طفولتي مصدر طمأنينة حقيقية.يضيف البركة في حياتي• كيف يبدو جدولكم اليومي خلال شهر رمضان، في ظل مسؤولياتكم الدبلوماسية؟•• يضيف رمضان البركة إلى حياتي وعملي. أستيقظ مبكراً للسحور وصلاة الفجر، ثم أتوجه إلى السفارة وأعمل دون استراحة لإنهاء المهمات مبكراً استعداداً للإفطار، لكن العمل الدبلوماسي لا يتوقف، فهناك زيارات ولقاءات ومفاوضات، ويظن البعض أن وتيرة العمل الدبلوماسي تتباطأ في رمضان، لكن العكس هو الصحيح؛ فالتعاون بين الدول يستمر، والقوة الروحية للشهر تزيد الإنتاج، وفي المملكة، بصفتها حاضنة مكة والمدينة، يتوافد الكثير من المعتمرين، ما يزيد من العمل القنصلي لمساعدة مواطنينا، وبدل المناسبات المعتادة ننظم موائد إفطار تعزّز العلاقات، وهكذا يجعلنا الشهر أكثر عطاء وفاعلية.• ما الذي تحرصون على متابعته أو ممارسته خلال هذا الشهر على المستوى الشخصي أو الثقافي؟•• رمضان شهر تجديد للروح والتقاليد؛ لذا أوازن بين الجانبين، وعلى الصعيد الشخصي أحرص على الإكثار من الأعمال الصالحة، وعلى الصعيد الثقافي أعتز بالعادات الأوزبكية، ولا سيما الإفطارات العائلية. وفي السفارة، أنظم موائد إفطار للموظفين والضيوف، أمزج فيها بين التقاليد الأوزبكية والسعودية لنشر قيم الرحمة والوحدة. كما أضع في الأولوية التسامح وصلة الرحم عبر التواصل مع الأهل، ما يمنح الشهر انسجاماً خاصاً.منارة انسجام للإنسانية• من واقع تجربتكم، كيف يسهم شهر رمضان في تعزيز التقارب والتفاهم بين الشعوب والثقافات المختلفة؟•• رمضان شهر الوحدة والتواضع، هبة من الله تقرّب بين الناس والثقافات. فهو يعلّم الخضوع لله والإحسان إلى الجميع، ويذيب الحواجز، وعلى موائد الإفطار يجلس الغرباء كالأصدقاء، يتقاسمون الطعام والحديث، وهذا تجسيد لوحدة الأمة وتُؤدَّى أعمال الإحسان دون مقابل؛ تُعطي دون أن تعرف لمن، والمحتاج يدعو لك، والله وحده يعلم، وفي أوزبكستان كما في السعودية تقدّم المطاعم الإفطار بأسعار ميسّرة، ليشارك الجميع في الخير، بغض النظر عن الخلفية، ويمتد هذا الأثر إلى العالم أجمع، إذ يوحّد الصيام المسلمين في طقوس واحدة، ويقدّم الإسلام دين سلام وكرم، وفي الدبلوماسية يسهّل رمضان الحوار؛ ففي إفطارات الدول المختلفة نناقش القيم المشتركة ونتجاوز الخلافات، وهكذا يصبح الشهر منارة انسجام للإنسانية، وفي إطار العلاقات الأوزبكية السعودية، يسهم في توسيع الشراكة، بما في ذلك مشاريع مشتركة في التعليم والسياحة.أدعو أصدقائي للزيارة• هل هناك موقف أو تجربة رمضانية إنسانية ما زالت عالقة في ذاكرتكم حتى اليوم؟•• نعم، هناك تجربة عزيزة على قلبي. عندما كنت في السابعة من عمري، عام 1982، شاركت لأول مرة في صلاة عيد الفطر بعد رمضان، كان ذلك في الصيف، وفي ظل القيود الشديدة على الحرية الدينية آنذاك، فكان الحدث عيداً حقيقياً للروح، واجتمعنا مع العائلة والجيران، صلّينا، ثم احتفلنا، وكان الكبار يعطوننا نحن الأطفال نقوداً لشراء ما نشاء من حلوى أو ألعاب، فلحظة الفرح والوحدة بعد شهر الصيام والتحديات انطبعت في الذاكرة إلى الأبد.ومنذ ذلك الحين، صرت أنتظر رمضان والعيد بشغف كبير، أراهما رمزاً للتطهير الروحي والأمل في مستقبل أفضل.واليوم، في أوزبكستان المستقلة بقيادة الرئيس شوكت ميرضيائيف، تُحتفل هذه المناسبات علناً وبحفاوة، ما يعزّز الشعور بالامتنان للحرية والتقدم، وأوزبكستان مكان مثالي لقضاء رمضان، إذ تتناغم التقاليد العريقة مع الراحة الحديثة، من مساجد سمرقند وبخارى الشامخة، إلى كرم الضيافة وتنوّع المطبخ الوطني.وأدعو أصدقاءنا وإخوتنا في المملكة العربية السعودية لزيارة بلادنا في هذا الشهر المبارك؛ لنعيش معاً روح وحدة الأمة، ونعزّز الروابط الثقافية، ونفتح آفاقاً جديدة لمشاريع مشتركة في السياحة والحج والعمرة.