- د. علي القرة داغي: الإعلام جهاد العصر وصانع الوعي بوحدة الأمة - د. نور الدين الخادمي: أمتنا الإسلامية تتقلب بين الثوابت والتجديد - د. سالم الشيخي: البعد الثقافي للعولمة يمثل تحدياً عميقاً للهوية ناقش ثلة من العلماء والدعاة المشاركين في جلسات برنامج «وآمنهم من خوف» السنوي الرمضاني الذي تنظمه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مفهوم وحدة الأمة في الفكر الإسلامي وبيان أثر التحولات المعاصرة في إعادة تشكيل الوعي بالوحدة والانتماء داخل المجتمعات الإسلامية.. كما تناول المتحدثون إشكالات الهوية والتنوع والاختلاف ودور الإعلام والثقافة في صناعة الوعي.. كما ناقش العلماء مسألة استشراف آفاق واقعية لتعزيز وحدة الأمة، بما يحفظ تماسك المجتمع، ويحدّ من عوامل التفكك، ويصون الوعي من الاختراق الفكري والثقافي.. وفي ما يلي التفاصيل: أكد الدكتور بلال بارودي – شيخ قراء طرابلس وأمين الفتوى بها – أن معنى الوحدة تفرد به الإسلام، ولم تجتمع على مر التاريخ أمة من الناس، حدها وضع جغرافي أو عرق دموي على شيء مثلما اجتمعت عليه الأمة الإسلامية، موضحاً أن كلمة «الأمة» مشتقة من «الأم» وأن العرب تقول أممت إليه أي قصدته، وهو أمر جامع يُقصد إليه، وأن أي مجموعة تجتمع على أمر تسمى «الأمة». وأشار إلى أن الأمة الإسلامية وحدتها لا بلغتها ولا بجغرافيتها، ولكن بعبادتها ربها، كما جاء في قول الله عز وجل (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ). وأن الأمة تجتمع على العبودية لربها، وأن الله سبحانه وتعالى ذكر الأمة بصيغ مختلقة ومتنوعة، لتؤدي دورها. وقال د. بارودي فسيدنا إبراهيم رفع قواعد البيت وعلى القواعد بُنيت الأمة، لذلك قال: «أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا»، وقول «أمة مسلمة لك» أي بأفعالها لا بنسبتها ولا بوصفها، والفرق كبير بين أن تنسب الأمة للإسلام والانصياع والطاعة، أو ان تنتسب نسبة فحسب، فالأمة المسلمة أمة تمارس الإسلام، لا تنتسب إليه فقط في الشعارات. - الإعلام يصنع الوعي أكد الدكتور علي القرة داغي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أن وسائل الإعلام التقليدية والرقمية تلعب دورًا محوريًا في صناعة الوعي الجمعي وتعزيز مفهوم وحدة الأمة، مشددًا على أهمية أن يكون هذا الدور بناءً وتكاملياً، وليس سبباً في الانقسام أو الاستقطاب. وتناول داغي خلال كلمته في الجلسة الأولى من المنتدى الرمضاني «وآمنهم من خوف» في نسخته الثانية عشرة، تفسيراً موجزاً للآية الكريمة «ولتستبين سبيل المجرمين»، مشيرًا إلى وجود قراءتين متواترتين لها: «ولتستبين سبيل المجرمين» و»وليستبين سبيل المجرمين»، مبيناً أن كلمة «سبيل» مؤنثة في لغة تميم ومذكرة في بعض لغات قريش، وهو ما يسمح بالوجهيْن. وأوضح أن قراءة «لتستبين» تفيد طلب البيان وتحقيقه بصورة واضحة وجلية، مستشهداً برأي الإمام محمد بن إدريس الشافعي في الجمع بين المعنيين، حيث يكون واجب الأمة جمعاء، من خلال تفصيل الآيات والقرآن الكريم، إظهار سبيل المجرمين وكشفه، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية». وأضاف أن القراءة الثانية موجهة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتُعد خطابًا لأمته، وبخاصة للعلماء وأولي الأمر وأصحاب المسؤولية، ما يحملهم واجب البيان والتوضيح، مؤكداً أن القرآن اختار التعبير بـ»سبيل المجرمين» لا «سبيل الكافرين»، موضحًا أن الصراع ليس مع الكافر المسالم، بل مع من يظلم ويسعى للإفساد وضرب الإسلام. - الأمة .. تعدد ثقافي قال الدكتور نور الدين الخادمي – كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر أن الأمةُ الإسلامية هي مرادُ الله سبحانه وتعالى مرادًا إلهيا بخلقها وبجعلها، وبما يتعلق بهذا المراد الخلقي والمراد الجعلي؛ لأن هذه الكلمة كلمةٌ مركزيةٌ في عقيدتنا وشريعتنا، وهي الكلمة التي ستنهي كثيرًا من المشكلات الفكرية والعملية الضخمة التي أُصيبت بها الأمةُ بأحزابها وجماعاتها، بل وشعوبها. وأضاف قائلاً: «الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون هذه الأمةُ الإسلامية أمة خاتمة، وهذا مراد خلقي له سبحانه وتعالى وحده، ومع ذلك فهي تعيش مع أمم أخرى؛ ولذلك فإن هذا الموضوع يُرد إلى الأمة المسلمة، فهي مراد لله بخلقها، ومراد له بجعلها. وأوضح الدكتور الخادمي أن هناك فرقا دقيقا أشار إليه علماء اللغة، وعلماء العقيدة، وعلماء المقاصد، بين «الخلق» و«الجعل». فهذه الأمة المخلوقة هي أمة مجعولة، وكونها مجعولة يعني أنها مكلفة، بناءً على أنها مخلوقة. وقال: «الأمة وهي تشكيل من تشكيلات العالم، وهي أمة خاتمة كما قلنا – أمة مجعولة، بمعنى أنها مكلفة بأن تُدير تشكيلها البشري إدارة راشدة في بُعده الديموغرافي، والجغرافي، والسياسي، والثقافي، والمذهبي، والفكري، لأن هذا التشكيل في جانبه الديموغرافي والجغرافي والواقعي والتاريخي – هو وضع في غاية التعقيد والتركيب. فالأمة اليوم تضم دولًا كثيرة، وكل دولة فيها تعدد عرقي، وإثني، وحزبي، وطائفي، ومذهبي، وفقهي، وثقافي، وفكري». - العولمة تحد للهوية أكد الشيخ الدكتور سالم الشيخي رئيس لجنة التدريب في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن العولمة، لاسيما في بعدها الثقافي، تمثل تحدياً عميقاً للهوية الإسلامية، محذراً من آثارها المتنامية على مفهوم الانتماء ووحدة الأمة. واستهل الدكتور الشيخي حديثه بالاستشهاد بقوله تعالى: «كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»، مبيناً أن الآية تصف حالة من الانغلاق الفكري والنفسي، حيث يكتفي كل فريق برؤيته الخاصة، ما يؤدي إلى تفكك الجماعة وتآكل الروابط الجامعة بينها. - العولمة بعد التسعينيات… البعد الثقافي الأخطر وأشار الدكتور الشيخي إلى أن العولمة، التي برزت بقوة مع مطلع التسعينيات عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، قامت على عدة أعمدة رئيسية، غير أن أخطرها كان “العولمة الثقافية”. وأوضح أن دولاً كبرى أبدت في وقت سابق تخوفها من هذا المسار، وطرحت مفهوم “الخصوصية الثقافية” كإطار لحماية هويتها من الذوبان.وفي تعريفه للهوية، أوضح الدكتور الشيخي أنها في معناها العام تمثل مجموعة الخصائص والسمات التي تميز أمة عن غيرها. غير أن الهوية في المنظور الإسلامي – بحسب قوله – تتجاوز الإطار الحضاري أو الجغرافي، لتصبح انتماءً عقدياً ورسالةً ممتدة، مستشهداً بقوله تعالى: «إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ». وبيّن أن من أبرز مرتكزات هذه الهوية: وحدة المرجعية، ووحدة الهدف، ووحدة المصير، ووحدة الرسالة، وهي عناصر تشكل الأساس الصلب لبقاء الأمة متماسكة في وجه التحولات الكبرى.. ورأى الدكتور الشيحي أن العولمة أحدثت تحولاً جذرياً في تصور الإنسان ودوره.