الحبر والأرض

هناك فئة من الناس إذا تحدثت لا يسمع لها صوت ليس لأنهم لا يفقهون من القول شيئا ولا لأنهم يعجزون عن التعبير ولكن لأن الزمن أحيانا يضعهم في زاوية الصمت حين لا يكون للكلمة مكان في عالم تحكمه المصالح وتعلو فيه لغة النفوذ والمال فيغدو الضجيج سيدا للمشهد وتصبح الحقيقة غريبة بين أصوات مرتفعة لا تقول شيئا لم يكن ابتعادي يوما ضعفا ولا كان صمتي هروبا بل كان حفاظا على يقين يسكنني وعلى قناعة راسخة بأن الضوضاء لا تصنع حقا وأن الكلمة حين تفقد معناها تفقد قيمتها تعلمت من تجاربي أن الأثر الحقيقي لا يقاس بعلو الصوت بل بصدق الموقف وأن الإنسان قد يخسر مساحة من الضوء لكنه لا يخسر نفسه ما دام متمسكا بمبدئه وحتى وإن كنت لا أملك رفاهية العيش فإنني أملك رفاهية الموقف أملك حق أن أكتب وحق أن أقول وحق أن أفتح نافذة للنقد الواعي لأن الكتابة عندي ليست ترفا يرتبط بوفرة الحياة بل مسؤولية تنبع من إيمان عميق بأن للكلمات أثرا في النفوس وأن الحرف الصادق قادر على أن يوقظ ضميرا ويعيد ترتيب الفوضى في زمن اختلطت فيه الأصوات وضاعت فيه البوصلة أكتب لأنني أسمع قصصا كثيرة في وطني أرى وجوها أنهكها الصبر وأخرى ما زالت تتمسك بالعزة رغم التعب أرى وطنا لم تكن أرضه قاحلة يوما كان الأب يزرع أرضه بثبات وكانت الأم إلى جانبه عونا وسكينة وكان الأبناء يكبرون بين الكتاب والمعول في يده اليمنى كتاب يبني به وعيه وفي اليسرى معول أبيه فلم يكن هناك انفصال بين العلم والعمل ولا بين الحلم والواجب فلم يجف حبر الابن عن قلمه ولم ييبس الزرع في الحقول إلا حين تسلل التخاذل إلى النفوس وحين اكتفى البعض بالمشاهدة بدل المشاركة وبالكلام بدل الفعل فالأوطان لا تضعف لقلة مواردها بل تضعف حين يضعف الإحساس بالمسؤولية وحين تتحول القيم إلى شعارات بلا روح فما اخترت الصمت إلا لأنني أدرك أن للكلمة وقتا وأنها حين تخرج قبل أوانها تضيع وحين تخرج من قلب صادق في وقتها تكون أعمق من كل نفوذ وأبقى من كل ضجيج. .