مالك عبيدات _ قال الخبير العمالي مدير بيت العمال حمادة أبو نجمة إن التعديلات التي أعلن عنها رئيس الوزراء على مشروع قانون الضمان الاجتماعي تحمل رسائل طمأنة مهمة، أبرزها عدم المساس بأي مستحق للتقاعد المبكر أو الوجوبي أو الاختياري خلال السنوات الأربع المقبلة، واعتماد تطبيق متدرج يبدأ عام 2030 ويمتد حتى عام 2040 بالنسبة للتقاعد الوجوبي، وإلى ما بعد ذلك للتقاعد المبكر والاختياري. وأوضح أبو نجمة ل الأردن ٢٤ أن هذا التدرج الزمني الطويل يخفف من الصدمة الفورية، ويحترم توقعات من هم على أبواب استحقاق التقاعد، ويمنح المجتمع وقتاً كافياً للتكيّف مع التغيير، غير أن تقييم هذه التعديلات – برأيه – لا يكتمل بالنظر إلى الإطار الزمني وحده، بل يجب قراءته في ضوء فلسفة الحماية الاجتماعية والواقع الديموغرافي والاقتصادي في الأردن. وبيّن أن المدخل الأساس لأي نقاش حول سن التقاعد هو العلاقة بين العمر المتوقع وعدد سنوات العمل وعدد سنوات التقاعد، مشيراً إلى أن الأدبيات الدولية، سواء في تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أو البنك الدولي، لا تنظر إلى رفع سن التقاعد كهدف مستقل، بل كأداة للحفاظ على التوازن بين الفترة التي يقضيها الإنسان في العمل وتلك التي يقضيها في التقاعد، وتقاسم مكاسب ارتفاع العمر المتوقع بين المرحلتين، بحيث يتم رفع سنوات العمل وسنوات التقاعد معاً، لا زيادة سنوات العمل وحدها. وأضاف أن ارتفاع العمر المتوقع يفترض أن يرافقه أيضاً ارتفاع في العمر الصحي المتوقع، أي قدرة الإنسان على الاستمرار في العمل صحياً في سن متقدمة، وهو أمر يرتبط بمستوى الرعاية الصحية وبقدرة سوق العمل على استيعاب كبار السن. وأشار إلى أنه في الأردن يبلغ متوسط العمر المتوقع نحو 75 عاماً، ما يعني أن من يتقاعد عند سن 65 عاماً سيقضي في المتوسط أقل من عشر سنوات في التقاعد، وهي مدة تقل بوضوح عما هو قائم في دول أوروبية يتجاوز فيها العمر المتوقع 81 أو 82 عاماً، حيث تمتد سنوات التقاعد إلى 15 أو حتى 20 عاماً رغم رفع سن التقاعد إلى 67 عاماً. واعتبر أن أي رفع إضافي لسن التقاعد في الأردن سيؤدي عملياً إلى تقليص مدة التقاعد إلى حدود دنيا مقارنة بالتجارب الدولية. ولفت أبو نجمة إلى أن واقع سوق العمل لا يمكن تجاهله، في ظل ارتفاع معدلات البطالة، وتدني المشاركة الاقتصادية، واتساع القطاع غير المنظم، والانقطاعات المتكررة في الاشتراك التأميني، ما يجعل الافتراض بأن العامل سيستمر في عمل مستقر حتى سن متقدمة أمراً غير مضمون. وحذر من أن رفع سن التقاعد قد لا يؤدي بالضرورة إلى استمرار فعلي في العمل، بل ربما إلى بطالة متأخرة أو انتقال إلى أنشطة غير منظمة تفتقر للحماية التأمينية. وأكد أن تأجيل تطبيق رفع سن التقاعد إلى عام 2030 لا يغير هذه المعادلة ما لم تقترن التعديلات بإصلاحات هيكلية في سوق العمل تعزز الاستقرار الوظيفي وتحد من سياسات إنهاء الخدمة المبكر. ومن زاوية الاستدامة المالية، شدد أبو نجمة على أن التركيز على شروط الاستحقاق وسن التقاعد يعالج جانباً واحداً فقط من المعادلة، إذ ترتبط استدامة أي نظام تأميني أيضاً باتساع قاعدة المشتركين، ومستوى الامتثال، وحجم التهرب التأميني، وكفاءة تحصيل المديونية، وإدارة الاستثمارات. وأشار إلى أن نسب التهرب التأميني التي تتجاوز 22%، ومديونية متراكمة تصل إلى نحو مليار دينار، وشمول لا يتجاوز 50% من العمالة، تعكس خللاً هيكلياً يتطلب معالجة جذرية. واعتبر أن تحميل المشتركين سنوات عمل إضافية دون معالجة هذه الاختلالات لن يحقق إصلاحاً متوازناً، داعياً إلى توسيع قاعدة الشمول، خاصة في القطاع غير المنظم، ورفع نسبة شمول العمالة الوافدة التي لا تتجاوز 15%، وتعزيز التكامل بين الامتثال الضريبي والتأميني. وختم أبو نجمة بالقول إن التعديلات المقترحة، وإن كانت تحمي الفئة القريبة من التقاعد، فإنها تنقل العبء الأساسي إلى الفئات اللاحقة، مؤكداً أن العدالة تقتضي توزيعاً متوازناً لكلفة الإصلاح يراعي قدرة كل فئة عمرية على التحمل، ويضمن في الوقت ذاته بقاء مدة تقاعد معقولة تصون كرامة الإنسان في سن متقدمة. وأضاف أن الإصلاح الحقيقي للضمان الاجتماعي لا يُقاس فقط بتحسن المؤشرات الاكتوارية، بل بقدرته على تحقيق توازن عادل بين الاستدامة المالية وجودة الحماية الاجتماعية، وتعزيز الثقة العامة بأن النظام ملتزم بوظيفته الأساسية في تأمين تقاعد كريم وصحي بعد سنوات العمل الطويلة. .