الفرق بين الظن والشك: تحليل دقيق وتوضيحات في ضوء العلم والفلسفة

في رحلة استكشاف الفكر الإنساني، نجد أنفسنا أمام مفاهيم أساسية تشكل جوهر تفكيرنا واتخاذنا للقرارات. من بين هذه المفاهيم، يبرز "الظن" و"الشك" كمحطتين مهمتين في مسار المعرفة. الظن، كما يعرفه علماء النفس، هو حالة ذهنية تتراوح بين اليقين والشك، حيث يميل العقل إلى ترجيح احتمال على آخر، ولكنه لا يصل إلى درجة الجزم القاطع. أما الشك، فهو حالة من التردد وعدم التيقن، حيث تتساوى الاحتمالات أو تتقارب، مما يعيق القدرة على اتخاذ قرار أو إصدار حكم نهائي. فهم هذه الفروقات يساعدنا على تقييم المعلومات بشكل أفضل واتخاذ قرارات أكثر وعياً. ما هو الظن؟ نظرة لغوية وفقهية وفلسفية الظن لغةً، كما ورد في المعجم الوسيط، هو إدراك الشيء مع ترجيحه. وقد يختلط مع اليقين. في الفقه، يعني إجازة أمرين أحدهما أظهر من الآخر. أما فلسفيًا، فهو شكل من أشكال التصديق المعتمد على الأدلة النظرية مع عدم وجود نقيض قاطع. الظن في اللغة والفقه يرى الفيروزبادي أن الظن هو التردد الذي يرجح أمرين دون الجزم بأحدهما. بينما يرى الراغب أنه حصول أمارة معينة، تقوى فتؤدي إلى العلم، وتضعف فتكون وهمًا. المناوي يعرفه بأنه اعتقاد يتم ترجيحه مع احتمالية وجود ما يناقضه. الظن في الفلسفة يصنف سقراط الظن كنوع من أنواع المعرفة الأربعة، ويعرفه بأنه الحكم على الأمور المحسوسة بما هي عليه، وهو معرفة غير مربوطة بعلة. الظن ليس ثابتًا، وقد يكون صادقًا أو كاذبًا، ولذلك لا يُعلَّم، بل يعتبر الظن الصادق إلهامًا. ما هو الشك؟ تعريف لغوي وأصولي وفلسفي الشك لغةً هو نقيض اليقين، ويعبر عن التردد في أمرين سواء استويا في الترجيح أو رجح أحدهما على الآخر. أصوليًا، هو إجازة أمرين لا ميزة لأحدهما على الآخر. فلسفيًا، استخدمه ديكارت لإثبات الوهم الذي يشغل العقل، مؤكدًا أن الشك هو بداية عملية البحث عن الحقيقة. الشك في اللغة والأصول في لسان العرب، الشك هو نقيض اليقين، ويعني التردد والارتباك. وعند الأصوليين، هو إجازة أمرين لا تفضيل لأحدهما على الآخر، فإذا تميز أحدهما أصبح ظنًا. الشك في الفلسفة استخدم ديكارت الشك منهجيًا للوصول إلى اليقين، معتبرًا أن التفكير هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن الشك فيه، ومنه توصل إلى مبدأ "أنا أفكر إذن أنا موجود". الشك في القرآن الكريم: أمثلة وأنواع ورد الشك في القرآن الكريم في مواضع متعددة، منها الشك في ذات الله، والشك في الرسل ورسالاتهم، والشك في وقوع اليوم الآخر. الشك في ذات الله ورد في القرآن آيات تدل على وجود من يشك في وجود الله، كما في قوله تعالى: (... وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ...). الشك في الرسل ورسالاتهم توجد آيات تشير إلى الشك في الرسل، كما في قوله تعالى: (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ...). الشك في وقوع اليوم الآخر هناك آيات تتحدث عن الشك في البعث والحساب، كما في قوله تعالى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا ۖ بَلْ هُمْ مِّنْهَا عَمُونَ). الفرق الجوهري بين الظن والشك الظن هو ترجيح أحد الاحتمالات على الآخر، حتى وإن كان الرجحان ضعيفًا، بينما الشك هو تساوي الاحتمالات وعدم القدرة على ترجيح أحدهما. الظن لا يقبل في أمور الاعتقاد الأساسية في الإسلام، بينما الشك هو حالة من التردد وعدم اليقين. الظن يعبر عن قوة معنى الشيء في النفس دون الوصول إلى الثقة الثابتة، بينما الشك هو اجتماع شيئين في العقل بتساوٍ. وكما يقول الرازي، الظن هو توقف الإنسان بين النفي والإثبات في الحكم. الظن في القرآن: بين اليقين والشك يمكن التفريق بين الظن بمعناه اليقيني والظن بمعناه الشكي في القرآن الكريم بطريقتين، كما ذكر الزركشي: الظن المحمود هو يقين، والمذموم هو شك. والظن المتصل بـ"إنّ" المشددة هو يقين، والمتصل بـ"أن" المخففة هو شك. الخلاصة الظن والشك حالتان ذهنيتان مختلفتان تؤثران على تفكيرنا وقراراتنا. الظن هو ترجيح لاحتمال مع بقاء الشك، بينما الشك هو التردد المطلق. فهم هذه الفروقات يساعدنا على التعامل مع المعلومات بشكل أكثر فعالية واتخاذ قرارات مستنيرة. .